فهرس الكتاب
مع الأهل
الإخوة الأفاضل، أنا مدرسة واجهت إحدى طالباتي مشكلة صعبة، فنصحني بعض الإخوة بعرضها على حضراتكم، فاسمحوا لي أن أعرضها عليكم بلسان صاحبة المشكلة:
أنا واحدة من بين سبعة من الإخوة، فقدتُ أمي منذ خمسة عشر عاما، وكان عمري حينئذ عامًا واحدًا، وكان أكبر إخوتي عمره ثلاثة عشر عامًا، وقد كبرتُ وكبر في نفسي ذلك الفراغ الهائل الذي يتركه فقد الأم في نفوس أبنائها، كان أهلي يقولون بأنها ماتت، ولكن كان هناك شعور خفي يراودني بأنها ربما ما تزال على قيد الحياة، ولم أفكر في حياتي أن أسأل أبي عنها؛ لأنني أخشى أن يكون الجواب مؤلمًا.
وقبل عام من اليوم جمعتني الصدفة بفتاة علمت من خلال الحديث معها أنها ابنة خالي؛ حيث إنني لم أكن أعلم شيئا عن أقارب أمي، وكم صُعقت حين علمت من ابنة خالي أنَّ أمي ما تزال على قيد الحياة، وأنها تعيش في مكان ما مع زوج آخر كانت قد تركت زوجها الأول - أي أبي - وأبناءها السبعة للعيش معه، رغم أن علاقتها بوالدي - كما علمت مؤخرًا- لم تكن سيئة يوما قبل تركها إياه.
لقد كان هذا الخبر فاجعة جديدة لقلبي المحطم، وشعرت أنني أكرهها كرهًا شديدًا، ورغم ذلك أشعر أنني بحاجة إلى رؤيتها والتعرف إلى تلك الأم التي تركت أبناءها يُعانون اليتم وهي على قيد الحياة، وأنا أعلم أن الشعور ذاته يشغل بال إخوتي جميعًا، ولكن لا يجد أحد منا الجرأة في نفسه بمناقشة هذه المأساة مع إخوته.
ومما يجدر ذكره أن أخي الأكبر قد تعرف إلى أمه حديثًا، وهو يذهب لزيارتها بشكل مستمر، ولكن أخي هذا لا نراه إلا في العيدين فقط، فهو يعمل في مكان بعيد عنا قريب من أمنا المجهولة. أما عن أبي فقد تزوج امرأة أخرى تكاد تكون نفسها مقفرة من معاني الرحمة والشفقة، فقد قست على طفولتنا وأضافت إلى يتمنا انكسارًا وهوانا.
وبعد أيها السادة الكرام، أود رؤية أمي كيفما كانت، وأنا مصممة على البحث عنها ومعرفة هذه الأم التي تناست أبناءها، وتجاهلت حاجتهم الماسة إليها، وأن قلوبهم تحترق شوقا لمحبتها وحنانها، وأقسم أنها لا تغيب لحظة عن فكري، وكم كنت في بعض الأوقات أتمنى نسيانها ولا أستطيعه. فكيف أتصرف في ذلك كله؟!.
واسمحوا لي وإن أطلت عليكم أن أسمعكم بعض أبيات كتبها أخي الأكبر منها:
كسرت قلبي فمن يجبره إن تكن أمي التي تكسره
مالها يغشى محيَّاها العبوس كسماء أفلت منها الشموس
بسمة منها على ليل النحوس كانت الفجر الذي أنشده
كسرته فأصابت قلبها وتلهت تتناسى حبها
ليت شعري حين تلقى ربها مثل هذا الذنب هل يغفره؟
إن أهلي قلتُ للآسي الكريم لا تسل عنهم فما فيهم رحيم
إن لي أمًا وبي جرح اليتيم
أي جرحٍ بعدها أحذره كسرت قلبي فمن يجبره؟
... المشكلة
د.عمرو أبو خليل ... اسم الخبير
... ... الحل ...
... الأخت المدرسة الفاضلة، نحن سنتحدث إليك لأن صاحبة المشكلة قد عرضتها عليك، وهذا يدل على ثقة بك، نود أن تنتهزيها في إخراجها من هذا الجو الكئيب الذي تعيش فيه بدون داع.. حيث تميل المراهقة في هذه السن إلى نوع من المبالغة في التعبير عن مشاعرها، وعما تتعرض له من مواقف وأحداث، نعم هو حدث كبير في حياة هذه الفتاة أن تكتشف أن أمها ما زالت حية، وأنها تخلت عنهم في الصغر بسبب الارتباط بشخص آخر..
ولكن يجب أن ننقلها بسرعة إلى استيعاب الموقف والتعامل مع الواقع؛ فهذه الأم كانت بالنسبة لهم ميتة طوال الفترة الماضية، والأمر لم يختلف كثيرا، فالأم التي تتخلى عن أولادها، ولا تسأل عنهم طوال الفترة الماضية هي في حكم الميتة لا يوجد اختلاف كبير.
أما المبالغة في الحديث عن البحث عن الأم والتعرف عليها فهو كلام متناقض؛ لأنها بعد قليل تعلن في رسالتها أن أخاها الأكبر يعرف مكان أمها بل ويزورها.. إذن فلا داعي للبحث والحديث عن المجهود من أجل ذلك، فمكان الأم معروف، وإذا شاءت أن تذهب لزيارتها مثلما يفعل الأخ الكبير فليس أمامها غير أن تطلب من أخيها الكبير أن يستأذن الأم في هذه الزيارة، وأن تستأذن والدها أيضا في ذلك.
وتقوم بهذه الزيارة، ولا تتوقع أشياء كثيرة تترتب على ذلك؛ لأن الزمن قد مرّ والظروف قد تغيّرت، ولا يمكن العودة للوراء، وإن كل ما سيتم في الزيارة هو أن تشبع رغبتها في رؤية الأم، ولكن الوضع لن يتغير كثيرًا؛ لأن هذه الأم لن تستطيع أن تقدم لها أي شيء إضافي.
ما نريد قوله: إنك يجب أن تأخذ بيد هذه الفتاة إلى التعامل مع الواقع بيسر وبدون مبالغة في ردود الفعل العاطفية وبدون شعر أو رثاء أو بكاء على الأطلال؛ حتى تستطيع أن تستمر في حياتها بصورة طبيعية، ولتنجح في أول اختبار لها في الحياة، ولتعلم أن الحياة ستستمر بإرادتها القوية في أن تنجح وتعيش حياة ناجحة.
ــــــــــــــــــــ