فهرس الكتاب
* د. محمود البستاني
لعل النشاط الذي يعني به علم النفس الأرضي فيما يتصل بالحاجة إلى (المسالمة) أو الحاجة المضادة لها: (العدوان) ، لعل هذا النشاط يستأثر بأهمية لا توازنها أهمية النشاط المتصل بالحاجات أو الدوافع الأخرى، ما دامت غالبية أنماط السلوك تتصل ـ من قريب أو بعيد ـ بهذا (الدافع) .
ان الحقد والحسد والغيرة ـ على سبيل المثال ـ تُعدّ (مظاهر) داخلية للحاجة إلى (العدوان) . كما أن الحرب والتنافس والكلام الجارح: تعد مظاهر (خارجية) للحاجة المذكورة. يستوي في ذلك أن يكون المظهر (حركيًا) أو (لفظيًا) . حتى انه يمكننا أن نصنّف كل و غالبية أنماط السلوك: بما فيه من (أمزجة) و (سمات) ومفرداتها من: كذب وخيانة وخديعة وشتم.. و.. و.. الخ، يمكننا أن نصنفها ضمن (العدوان) . وما يقابلها، ضمن (المسالمة) .
من هنا، نجد أن كثيرًا من الباحثين يتبعون هذا التصنيف الثنائي للدوافع أو الحاجات، أو ـ على الأقل ـ يدرجون سائر الدوافع أو الحاجات المختلفة، ضمن هذا التصنيف الثنائي العام.
والحق ان مثل هذا (التصنيف) الثنائي للحاجات، يظل على صلة كبيرة بواقع التركيبة الآدمية، وهو أمر يتوفر المشرّع الاسلامي على فرز خطوطه. لكن ضمن صياغة خاصة، متميزة عن التصور الأرضي للتصنيف المذكور.
ان بحوث الأرض حينما تتوفر على دراسة هذا الجانب (المسالمة والعدوان) ، تنطلق من تصورات مختلفة فيما يتصل بـ (فطرية) هذا الدافع أو (اكتسابيته) ، وبامكان (تعديله) . مثلما تتفاوت في تحديد أسبابه وعلاجه.
فثمة اتجاه يرى إلى أن الكائن الآدمي (مسالم) في طبيعة تركيبة كل ما في الأمر أن (البيئة) بما تكتنفها من (ثقافة) منحرفة هي التي تنمي لديه نزعة (العدوان) .
ثمة اتجاه ثان: يرى إلى الكائن الآدمي (صفحة بيضاء) من الممكن أن تحولها (التنشئة) إلى (مسالم أو عدواني) . ثمة اتجاه ثالث: يرى أن (الإحباط) هو السبب في إنماء النزعة (العدوانية) ، فما دامت حاجات الانسان لم (تشبع) بشكل يحقق توازنه الداخلي، فإنه مضطر إلى ن يستجيب للظواهر استجابة (عدوانية) ما دامت تقف حائلًا دون الإشباع.
يواكب هذا الاتجاه، اتجاه لا يقصر الأمر على الإحباط أو عدمه أو درجته وصلة ذلك بالعدوان، بل يجد ـ أساسًا ـ أن عجز الانسان عن إشباع حاجاته، وإلى مفروغية (الإحباط) . يضطره إلى (العدوان) : بصفته استجابة حتمية للإحباط. على أن أشد الاتجاهات (مفارقة) هو: الاتجاه الذاهب إلى أن (العدوان) يمثل حاجة أو دافعًا (فطريًا) يرثه الكائن الآدمي بـ (الفعل) .
وفي نطاق هذا الاتجاه، هناك مَن يجعله واحدًا من (دوافع) متنوعة تتصل بشتى أنماط السلوك، ومَن يجعله (شطرًا) واحدًا من دافعين رئيسين يطبعان سلوك الانسان: شطره الأول هو: غريزة الموت، فيما يظل (العدوان) مظهر هذه الغريزة الأخيرة: (غريزة الموت) .
وهذا كله فيما يتصل بالتصورات الأرضية لظاهرة (العدوان) . أما التصور الاسلامي للظاهرة، فإنه من الوضوح بمكان كبير، ما دمنا قد أوضحنا في حينه، أن الكائن يرث بـ (القوة) مبادئ (الشهوة والعقل) أو (الذات والموضوع) أو (الخير والشر) ، وإلى أن عملية (التأجيل) التي يمارسها في بحثه عن اللذة هي التي تترجم (القوة) إلى (فعل) إيجابي هو (المسالمة) ، وعدمه (أي: عدم التأجيل) هو الذي يترجم (القوة) إلى (فعل) سلبي هو: (العدوان) .
وقد أوضحنا في حينه أيضًا، أن هذا المبدأ الثابت في تركيبة الانسان من الممكن في ظل ظروف أو شروط خاصة أن يطرأ عليه (التغيير) بحيث تصبح (النزعة العدوانية) ذات طابع (فطري) ترثه الشخصية بـ (الفعل) : لأسباب سبق شرحها مفصلًا. ولعل النصوص التي قدمها الإمام الصادق (ع) عن الأفراد أو الرهوط الذين يرثون (أصولًا غادرة) ـ فيما منع الإمام (ع) التزويج منه ـ لعل هذه النصوص التي سبق الوقوف عندها (في حديثنا عن الوراثة والمحيط) ، تلقي إنارة كافية على الظاهرة.
بيد أن ذلك كله، يظل (استثناء) للقاعدة، وليس مبدأ عامًا يسم البشر بأجمعهم (كما هو تصور بعض الاتجاهات الأرضية) ، انه يمثل ـ كما أوضحنا ـ وراثة (طارئة) ، وليس وراثة (ثابتة) ، انه يمثل (انفارًا) و (رهوطًا) بأعيانهم: تضافرت جملة من الأسباب على تطبيعهم بالسمة المذكورة.
وخارجًا عن ذلك، فإن القاعدة تظل متسمة بوراثة (نقية) عن أية شائبة من (عدوان) .
بيد أن ما نعتزم التشدد عليه في هذا الصدد، هو أن (العدوان) يظل أشد مظاهر (الشهوة) أو (الذات) أو (الشر) بروزًا بالقياس إلى المظاهر الأخرى.
ولعل هذا (البروز) هو الذي دفع أحد الباحثين بأن يجعل (العدوان) أحد شطري السلوك، على نحو لا مناص من صدور البشرية عنه، متمثلًا في سلوك (فردي) هو: مرض الشخصية، وفي سلوك (جمعي) هو: الحرب.. مثلما دفعه إلى أن يصنفه إلى عدوان مباشر باليد أو باللسان أو بأية حركة، وإلى عدوان غير مباشر (مثل: الدعابة، وفلتات اللسان، و.. الخ) ، بل دفعه إلى أن يصور (العدوان) متجهًا حينًا نحو (الخارج) وهو العدوان المألوف: وحينًا نحو (داخل الشخصية) نفسها فيما يطلق على ذلك مصطلح (الماسوشية وهي: التلذذ بتعذيب الذات) قبال العدوان نحو الخارج فيما يطلق عليه مصطلح (السادية: وهي: التلذذ بتعذيب الآخرين) .
ان ما لا مناقشة فيه، أن يظل (العدوان) أبرز مظاهر السلوك (الشهوي) (الذاتي) (الشرير) ، انه يقف وراء غالبية الأنماط أو مفردات السلوك ـ كما سنرى، لكنه لا يمثل ـ (إرثًا) فطريًا من جانب، كما لا يرتبط بالمفاهيم التي ينطلق الباحث الأرضي المذكور منها في تفسيره للسلوك.
وخارجًا عن ذلك، فإنه (أي العدوان) يظل ـ مثلما قلنا ـ أشد أنماط السلوك (الشهوي) بروزًا من جانب، وإلى أنه يقف وراء غالبية أنماط أو مفردات السلوك (الشهوي) من جانب آخر.
وبامكاننا أن نتعرف على الحقيقتين المذكورتين، إذا أدركنا: أولًا ان (إيذاء الآخرين) هو المظهر الأشد بروزًا لكل سلوك (شهوي) . فالممارسات الشهوية (الفردية) الصرف مثل: الشراهة في الطعام، أو المال، أو الجنس، أو اللهو.. الخ، إنما تعكس آثارها على (الذات) الشخصية، دون أن تمتد إلى (إيذاء الآخرين) . أما الممارسات الشهوية المرتبطة بـ (الآخرين) ، فإن انعكاسها عليهم، يظل أمرًا من الوضوح بمكان كبير. فالقتل أو التجريح، أو السب، أو الإهانة، بل: الحقد على الآخرين بعامة، والحسد منهم، تظل أنماطًا (عدوانية) أشد بروزًا من الأنماط الأخرى المتصلة بالبحث عن (التفوق) أو (الاستطلاع) أو.. أو.. الخ.
ثانيًا: ان غالبية مفردات السلوك، تظل وراء (النزعة العدوانية) بنحو واضح: فالاعتداء باليد أو السلاح، أو باللفظ من نحو: الغيبة والاستماع إليها، والافتراء، والشتم والإهانة والمزاح، وبالحركة مثل: السخرية باليد، والشفاه، والعيون، والمحاكاة بعامة، وبالممارسات الخارجية مثل: الغش والخديعة والهجران والسرقة و.. الخ، كل أولئك يظل مشكلة غالبية السلوك اليومي الذي تمارسه الشخصية الأرضية أو غير الملتزمة: فيما تضؤل أمامها ـ من حيث الكم ـ الممارسات الأخرى غير العدوانية.
ومن هنا يمكننا، أن ندرك سرّ التوصيات الاسلامية الحائمة على هذا المظهر من السلوك: بصفته أشد أشكال الذات بروزًا، وأضخم المفردات رقمًا.
بل يمكننا أن ندرك صلة (الشخصية) بالآخرين: فيما يشدد المشرّع الاسلامي عليها من خلال مبدأ (الحب، وقضاء الحوائج) حيث يمثلان الدلالة الوحيدة المشروعة ـ في التصور الاسلامي ـ لصلة الشخصية بالآخرين، وإلا فإن (الآخرين) ـ كما لاحظنا ـ ملغون من حساب الشخصية التي تتعامل مع السماء.
ان مبدأ (حب الآخرين) و (قضاء حوائجهم) يمثلان الطرف المضاد تمامًا، لطرف (العدوان) أو (الحقد) .. فيما يعني: ان غالبية مفردات السلوك (الاجتماعي) الذي يرسمه المشرع للشخصية في تعاملها مع (الآخرين) ، هذه المفردات بأكملها أو بغالبيتها قائمة على التدريب على نبذ (العدوان) ، لأن (الحب) يعني بوضوح (المسالمة) بدلًا من (العدوان) ، كما ان قضاء حوائج الآخرين يعني بوضوح: ان الشخصية (تحب) الآخرين فتقضي حاجاتهم، أي: إنها (مسالمة) حيالهم، لا إنها (معادية) لهم.
إذن: كل أنماط السلوك الاجتماعي أو غالبيته قائمة على طرفي (المسالمة) أو (العدوان) ، فيما نخلص منه إلى أهمية تنظيم الدافع المذكور، ونعني به (الدافع إلى المسالمة) بدلًا من (الدافع إلى العدوان) .
ومن هنا، فإن المشرّع الاسلامي، يظل ـ في توصياته ملحًا على مستويات شتى من (التنظيم) للدافع المذكور، متمثلًا في معالجته لكل مفردة من مفردات السلوك: بغية إزاحة (النزعة العدوانية) من الأعماق وإبدالها بالنزعة المسالمة: إشاعة الحب في الآخرين، وإشباع حاجاتهم.
إن الفارق بين التصور الاسلامي لنزعتي (المسالمة) و (العدوان) وبين بعض تصورات الأرض، أن الأخيرة منها (أي: بعض الاتجاهات الأرضية) حينما تجعل (العدوان) وكأنه (فطري) ، إنما تقلل ـ إن لم تمسح ـ فرص التوازن الداخلي والخارجي للانسان.
والغريب أن هذه الاتجاهات تطالب بـ (الحب) وتجعله معيارًا للشخصية السوية قبال الشخصية العصابية من نحو مقولة أحدهم في تحديد الشخصية السوية، إنها هي التي (تُحِبّ وتُحَبّ) ، لكنه في الآن ذاته يقرر مفروضية العصاب الفردي والجمعي (الأمراض والحروب) ما دام (العدوان) يشكل نزعة فطرية لا مناص من صدور الانسان عنها.
والغريب أيضًا، أن نجد مَن يطالب مثلًا، بالرد على العدوان لأنه يساهم في خفض التوتر من الأعماق؛ في حين يطالب المشرّع الاسلامي بالعفو، والتسامح: لإزاحة البقايا من الأعماق..
وكم هو الفارق بين اتجاه أرضي يوحي بأن الإزاحة العدوانية غير ممكنة، أو على الأقل: يمكن تخفيفها فحسب، أو تحويلها ـ من خلال عمليات التسامي ـ إلى نشاطات مقبولة اجتماعيًا، أو ان ممارسته أحيانًا يخفض من توترات الفرد، كم هو الفارق بين مثل هذا الاتجاه الذي يساهم في تدمير الانسان وتوتيره، وبين الاتجاه الاسلامي الذي يطالب بالحب، ويجعله أساسًا ثابتًا في علاقة الانسان بالآخرين من نحو إشاعته مبادئ عامة في الحب، مثل: المؤمنون إخوة، وإلى أنهم كأعضاء الجسم إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء..، ومثل مطالبته بقضاء حوائج البعض الآخرين، ومثل مطالبته بالتزاور بينهم، والتودد إلى الآخرين، ومداراتهم، والإصلاح بين المتنازعين فيما بينهم، والصفح عن المسيء منهم، و.. و.. الخ.
خلاصة القول: التصور الاسلامي كدافعية (العدوان والمسالمة) ، يحسم الموقف حينما يخضعهما لمجرد (ميراث بالقوة) إن (التدريب) على (المسالمة) كفيل بمسح أية شائبة عدوانية تفرضها التنشئة المنحرفة، حتى ليتحول الأمر ـ في نهاية المطاف ـ كما أشار النبي (ص) ـ إلى أن المداومة على فعل (ومنه: التدريب على الحب) يستتبع كراهية الشر (ومنه: النزعة العدوانية) بحيث تصاغ الشخصية مسالمة، محبة تنفر من (العدوان) لا أنها تصدر عنه.
ــــــــــــــــــــ