فهرس الكتاب
مع الأهل
رغم أني على مستوى عالٍ من الثقافة فإني متردد دائما.. أخشى الحديث أمام الناس أو أن أواجههم، وأتمنى أن أتحرك وأن أدعو لديني ليس مجرد فرد أو اثنين فطموحي أكثر من ذلك بكثير، دائما أكون الأول في دراستي وينظر الناس لي باحترام، أعلم أنني إذا حدثتهم فسوف يسمعون لي، وأعلم أنني يمكنني أن أفعل شيئا.
عندي شعور شديد بأن الله عز وجل يعدني لأمر كبير، وأتمنى أن أتغلب على هذه المشكلة، وأن تساعدوني في ذلك، أود أن أعرف لماذا ينتابني كل هذا الخوف والتردد؟ هذا الأمر يشغلني كثيرا، وأرجو أن تساعدوني لأجد حلا لهذه المشكلة، مع العلم أن عمري 15 عاما، وجزاكم الله خيرا. ... المشكلة
د.إيهاب خليفة ... اسم الخبير
... ... الحل ...
... أخي العزيز أحمد، إنني أشعر بك وبتميزك وبرغبتك في أن تستغل هذا التميز الدراسي في خدمه الدعوة والتأثير في الناس، وهذه فعلا ميزة كبيرة ستجعل الكثير من الزملاء يلتفون حولك، ولكن ينبغي أن تمتلك مع هذه الميزة الخبرة الكافية في مسألة الدعوة، وأهم الأركان فيها أن تكون طبيعيا وتلقائيا في تعاونك معهم وألا تطلب نتيجة سريعة؛ فمسألة الدعوة لها مراحل معروفة تبدأ بالتعاون ثم الانتقاء، وأعني انتقاء أقرب الأفراد قابلية للالتزام ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم مرحلة التقرب وهذه هي أهم المراحل، وينبغي أن تتم بصورة طبيعية.
ثم مسألة إيصال الفكرة والتأثير في الآخرين، وهذا الأمر قد يحدث من خلال الاحتكاك والمواقف العملية والتأثر بالسمات الشخصية أكثر مما يحدث من خلال الأحاديث الشفوية، وفي الختام لا بد أن تكون على يقين بأن أمر الهداية لا يحدث إلا بمشيئة الله، وأنك مجرد سبب وستار لقدرة الله.
ومثل هذا الطموح وهذه الثقة وهذا الأمل الذي تتمتع به عملة نادرة بين بني البشر، فقلما نجد إنسانا يثق في قدراته إلى هذا الحد، ويشعر أن الله أعده لأمر عظيم، وحتى من يمتلك هذه الثقة قد نجد من يثبطه ويوهن من عزيمته.
ونحن نتمنى أن يستمر عندك هذا الشعور؛ فهذا سيكون دافعا لأن تحقق لنفسك مكانة مرموقة في هذه الحياة وتقدم للناس الخير الكثير، والإنسان حيث يضع نفسه. فقط إنك تحتاج يا أحمد إلى الاستفادة من العزيمة والطاقة التي يولدها هذا الشعور ويوجهها الوجهة الصحيحة.
فأولا: ينبغي ألا يكون هذا الشعور فورة مؤقتة مرتبطة بأنك متميز بدراستك، بل ينبغي أن يستمر هذا الأمر ويتغلب على كل المثبطات.
وثانيا: إنك تحتاج لاكتشاف نفسك واكتشاف الجوانب التي تتميز فيها، وتستطيع أن تحقق فيها الخير للناس دون أن يكون الأمر عاما وحسب. وهذا الأمر يحدث بتوفيق من الله ثم ببذل المجهود من الإنسان لاكتشاف مواهبه ومميزاته، والفترة التي أنت فيها هي فترة اكتشاف المواهب والمميزات فينبغي أن تركز في ذلك، وقلما تجد شابا في هذه السن يفكر بهذه الطريقة.
ثالثا: ينبغي أن توقع أن يصيبك بعض الفشل وبعض العقبات، وإذا قلنا بأن الشعور القوي والإرادة الفتية هما الركن الأول لتحقيق النجاح فإن الصبر والعزيمة القوية هما الركن الثاني للتغلب على المحبطات والمثبطات؛ فالإنسان مخلوق ناقص وكثيرا ما يخطئ، وعليه أن يتعلم من الخطأ مثلما يتعلم من الصواب، وأن يعالج عيوبه وأخطاءه.
وقد ذكرت لنا أحد هذه العيوب وهو الخوف والتردد والخشية من الحديث أمام الناس، ولم توضح هل هذا الخوف يحدث مع جميع الناس من تعرفهم ومن لا تعرفهم ومع الأصدقاء والأقرباء كما يحدث مع الغرباء الذين تتعرف عليهم لأول مرة، ولم توضح لنا هل هذا الخوف يحدث في جميع أنواع الحديث أم أنه مرتبط عندما تحاول التأثير فيهم ونقل مفهوم معين لهم.
فإن كان هذا الخوف أمرا عاما يحدث مع جميع الناس ويصاحبه عَرَقٌ وخفقان في القلب فهو نوع من الخوف الاجتماعي الذي يحتاج التي تدريبات متدرجة لعلاجه، أما إن كان هذا الخوف يحدث في ظروف مخصوصة فإن سببه غالبا أنك لم تكتسب بعدُ الخيرةَ الكافية وفنَّ التعامل مع الآخرين وطرق التحدث معهم؛ وهو ما يوقعك في هذه الحيرة والارتباك، وهذا وارد جدا في بدايات الشباب، حيث ينتقل الإنسان من فترة الطفولة إلى فترة الحماسة والشباب والرغبة في لفت الأنظار والتأثير في الآخرين، فهنا يحدث الارتباك، ويبدو أنك تحاول ذلك بصورة سريعة وغير تلقائية، بما أنك تحمل نفسك ما لا تطيق مع وجود بعض الخجل لديك فيحدث هذا الخوف والتردد. ينبغي أن تحدد أيضا ما هو هدفك من التحدث مع الناس فلكل مقال، ولن تستطيع أن تحقق هذه الأهداف في مقابلة واحدة.
هل الهدف هو بداية تعارف مع مجموعة من الناس؟ أم هو محاولة للقرب واكتساب الصداقة الجيدة؟ أم هو محاولة لتغيير المفاهيم والتأثير في الآخرين؟ وهذا الأمر ينبغي ألا يحدث بصورة واضحة إلا عند من تقربت إليهم بصورة جيدة، وامتلكت قلوبهم، وشعرت أن هذا الخطاب مناسب لهم، وفي القول المأثور:"ليس كل ما يعرف يقال، وليس كل ما يقال قد حضر أهله، وليس كل ما قد حضر أهله قد حان وقته".
أخي الكريم، إنني أحييك وأحيي التزامك، وأحب أن أعلمك أن سبب انتشار الفكرة الإسلامية في عقد السبعينيات أنه قد تأثر بها كثير من النابغين والمتفوقين من طلبة الجامعات، وكم كان التأثير قويا عندما كان من بين العشرة الأوائل على كليه الطب فتاة محجبة، وكان هذا الأمر شديد الغرابة، وشديد التأثير، وساهم في نشر الحجاب بين زميلاتها من الطبيبات.
ــــــــــــــــــــ