فهرس الكتاب
الحب لا يكتمل, الخيانة الزوجية, مع الجنس الآخر
السلام عليكم.. أشكركم بالبداية مسبقا للاهتمام بمشكلتي هذه وإني لآمل أن تنتهي عذاباتي بعد كتابتي لكم إن شاء المولى..
أنا فتاه متوسطة الجمال ومرحة دوما أعيش في عائلة متفككة نوعا ما.. فأبي وأمي يتخاصمان منذ أن كنت بعمر 12 سنة، وأمامنا أنا وإخوتي، وحتى أصبحت بهذا العمر وهما مستمران بالخصام بشكل شبه يومي، وقد وصلوا كثيرا إلى الطلاق، لكنه لم يتم لأن أبي رجل يخاف الله ويحبنا أنا وإخوتي.
وسط هذه المشاكل تعرفت على عائلة من"حينا"، تتكون من: رجل، وزوجته، ولديهما أولاد يعيشون مع جدتهم ببلد آخر.. في البداية أصبحت عائلتهم صديقة لعائلتنا ولأنه تبين لنا أنهم أقرباء لأبي لذلك صاروا من العائلة، وكثرت زياراتهم أثناء مرض أختي الكبيرة، وكان الزوج يجلب لأختي الأطباء ويهتم بنا ويشتري لنا الهدايا... وتدريجيا وقعت بحب هذا الرجل.
إنه يبلغ من العمر - 37 عاما - وذلك عندما كنت أنا بعمر -عاما 17- ولأنه قريبنا صار يتصل بنا، وشعرت تدريجيا أنني أهتم به وأنه صار يهتم بي... كان حبنا رائعا في البداية لأنه اعترف أنه يحبني رغم فارق العمر، وأنه كذلك يحترم زوجته كثيرا ولا يستطيع أن يؤذيها، وكذلك أولاده.
لكنه تزوج وهو صغير جدا بعمر - 18 عاما - لذلك فإنه لم يعرف الحب وقتها... وهكذا استمر حبنا بالخفاء وعبر الهاتف، وكنت إلى جانبه وقت مرضه، وكان دوما يدفعني للنجاح في الدراسة ويشجعني... ومع تزايد خلافاتنا مع أمي شعرت أنني محتاجة لصدر حنون ورغم أن أبي طوال عمره كان لي نعم الصديق والأب فإنني بدأت أشعر أنني صرت عاشقة، وكذلك حبيبي شعر بذلك.. وللأسف -وأقولها وكلي قهر وندم- قد وقعتُ في الحرام معه مرتين، ولكنني ما زلت بنتا، ولم يؤذني بالمعنى المعروف.. وفي المرة الثانية كم دعوت ربي ألا تتيسر لي مقابلته، لكن الأمور جرت سهلة وتقابلنا.
الآن لا أدري بماذا أشعر.. أحس أولا: أنني لا أحترم نفسي، وثانيا: أشعر أنني لا أستحق الخير أبدا، وأن ربي سوف يعاقبني، ولن يبعث لي بزوج صالح؛ لأنني فعلا لا أستحقه.. وأعترف أنني ما زلت أحب حبيبي، وهو كذلك يحبني، وقد قررت أن أتهرب من مقابلته بأي عذر كان وأنني سوف أتوب عن الحرام.
لكنني خائفة أن أضعف خاصة مع حالة الكآبة التي أعيشها وخلافاتنا مع أمي.. وأيضا خوفي ورعبي من المستقبل، وأنني حتى لو تزوجت رجلا صالحا فإنه ربما سيحب فتاة غيري كما فعلت أنا بزوجة حبيبي.. أعينوني أرجوكم أكاد أُجن.. جزاكم الله خيرا.
... المشكلة
د .ليلي أحمد الأحدب ... اسم الخبير
... ... الحل ...
... كثيرا ما أحمد الله على فضله أن جعلنا نتواصل مع من لا ملجأ لهم -بعد الله- إلا هذه الصفحة، وأدعوه سبحانه أن يجعلنا عونا للتائهين وهدى للضالين.
وأسأل نفسي في الوقت نفسه: أين الدعاة والمصلحون المخلصون من مشاكل كهذه المشكلة؟ هل تكفي الحلول التي نقترحها على هذه الصفحة في حل مشكلة ليست فردية بل هي ممتدة وموجودة، ودليل وجودها آثارها ككثرة حالات الطلاق وانتشار الفاحشة والاستغناء بها عن الزواج؟
لماذا يكتفي بعض الدعاة والمصلحين بالعيش في أبراج عاجية ولا ينزلون إلى مجتمعهم ليروا ما حل به من انحلال خلقي وآفات اجتماعية فيبحثوا عن أسبابها ويحاولوا إيجاد حلول لها؟
قد يظن البعض أننا نبالغ عندما نقول مشاكل ممتدة وموجودة، ولكن الواقع يظهر أن سبب أكثر الانحرافات الخلقية التي يعاني منها الشباب والفتيات تعود إلى فقدان الأمان والثقة في البيت نفسه؛ ولذلك هم غالبا ما يكونون بحاجة إلى آباء وأمهات من خارج البيت ناصحين أمناء، وهنا يأتي دور الدعاة والمربين.
لقد كان الرسول -عليه الصلاة والسلام- خير الدعاة إلى الله، ومع ذلك نرى الشاب يأتي إليه ويطلب منه أن يبيح له الزنى، فلا ينهره الرسول الكريم، وإنما يقنعه بضرره في الأسرة والمجتمع، ويضع يده الشريفة على صدر الشاب فينطلق، وقد أصبح الزنا من أكره ما يكره.
أنا لا أنكر أن بعض الدعاة قد بدءوا يشعرون بفداحة الخطب، وعمق المسؤولية الملقاة على كاهلهم فرديا واجتماعيا، ولكنني أتحدث بالنسبة لبعض المجتمعات وبالأخص المجتمع الذي تقيم فيه الأخت السائلة، فرغم كثرة الدعاة فيه، لكنني لم أسمع إلا القليل جدا منهم من يتجرأ على إظهار مشكلة اجتماعية كالمخدرات والزنى رغم انتشارها، أما في صفوف الأخوات الداعيات فلا صوت لهن ولا كلمة في موضوعات خطيرة كهذه، هذا إذا لم يكن بعضهن عونا للشيطان على أخواتهن، فما إن تخطئ الفتاة وتعترف بخطئها حتى كأن الطامة الكبرى قد وقعت، فيمتنعن عن الكلام أو التعامل معها.
فلماذا ننسى الضعف البشري الذي يلازمنا؟ ولماذا ننكر كيد الشيطان لنا وتربصه بنا؟ لماذا ننسى أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- كان يقيم الحد على شارب الخمر فإذا أعاد الذنب يقيم عليه الحد مرة أخرى؟ وعندما يلعنه أحد الصحابة لتكرار سكره، يمنعه النبي العظيم -عليه أفضل الصلاة والتسليم- من ذلك بقوله:"إنه يحب الله ورسوله".
بعد هذه المقدمة التي رأيتها ضرورية آتي إلى صاحبة المشكلة فأقول:
يا ابنتي..
أنا أشعر بما تحملينه بين جنبيك من أسى لحالك مع الله، فليس هناك ذل كذل المعصية، وليس أصعب من تأنيب الضمير ووخز الوجدان على المؤمن، وكما قال الشافعي -رضي الله عنه-:"ليس من مسلم يطيع الله ولا يعصيه، ولا من مسلم يعصي الله ولا يطيعه"، فكلنا بشر خطاؤون وخير الخطائين التوابون، كما قال -عليه الصلاة والسلام-.
وأدرك أننا مخلوقون من حفنة تراب مهين، لكنها ممزوجة بنفحة الروح العالية، فتساميْ بروحك عن الوحل والطين، وإذا كنت قد أضعت نفسك في متاهات المعصية، فعودي إلى ربك واستغفريه، تجديه توابا رحيما غفورا حليما، يقول سبحانه:"قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" (الزمر: آية 53) .
إحساسك بهذا الرجل الذي أحببتِه كان ناجما ليس فقط عن جوِّك الأسري المليء بالمشاحنات فأنت تقولين إن أباك كان نعم الصديق لك -وإن كنت أعتقد أن الأب لا يعوض الفتاة عن فقد الأم بعاطفتها وحنانها وتفهمها-، بل هو ناجم عن فراغ عاطفي ونفسي، وإذا كانت شريعتنا السمحة لا تنكر المشاعر والعواطف فهي تضع قيودا على التصرفات التي تقود إليها هذه المشاعر.
وقد بينا سابقا أن الإسلام لا يقول: لا تحب أو لا تكره، ولكن يقول: إذا أحببت فلا تزنِ، وإذا كرهت فلا تقتلْ. وكل ظروف دنيانا التعيسة وأحوالنا البائسة في البيت أو غيره لا تبرر لنا الانجرار وراء شهواتنا وغرائزنا باسم الحب، ولن ينجينا شيء من عقاب الله سواء في الدنيا أو الآخرة إلا الخوف منه سبحانه واللجوء إليه هربا من شهوات أنفسنا ومكائد شياطين الإنس والجن.
وهنا أتوقف عند هذا الرجل الذي تقولين إنه يبادلك حبا بحب، فهو إما أنه لا يحبك بل يحاول أن يستغل ضعفك وحاجتك النفسية ليشبع حاجته الجسدية، أو أنه يحبك فعلا لكنه ضعيف أمامك، ففي الحالة الأولى أنت الخاسرة لأنه سيمل منك عاجلا أو آجلا وسيبحث عن أخرى يسعى إلى اصطيادها بنفس الطريقة، أما في الحالة الثانية فأنت من يتحمل وزرك ووزره دون أن ينقص من وزره شيء، وقد بينت في الكثير من ردودي أن المرأة هي التي تبدأ بالخطوة الأولى، ولا يستطيع الرجل أن يحرك شعرة في امرأة إذا لم تكن هي التي تريد الغواية، ففي الحالتين عليك أن تبتعدي عنه نهائيا، وبذلك تتخلصين من شَرَكه المنصوب لك إذا كان شيطانا من شياطين الإنس، أو تنتزعين نفسك وإياه من شباك الهوى والشيطان والحب الحرام.
أما قوله إنه يحترم زوجته ولا يحب أن يؤذيها، فكيف يكون موقفه إذا علمت زوجته بعلاقتكما، والحكمة تقول:"كل خفي لا بد أن يظهر"؟ وإذا كان يحترمها حقا، فالمفروض أن يحترمها في غيابها كما في حضورها، لا أن يستمر معك بالخطيئة وأنت في عمر ابنته. ثم ما هذا الخطل في تفكيره؟ كيف يقبل أن يتعامل جنسيا مع من تصغره بعشرين سنة وفي الحرام؟!
هل تظنين أنه يحافظ على بكارتك من أجل سواد عينيك أم لأنه لا يريد أن يتحمل المسؤولية عن أفعاله؟ وإذا تخلص من مسؤوليته في الدنيا فكيف سيتخلص منها في الآخرة؟ إنه لا يمزق بكارتك ولا يؤذيك جسديا، لكنه يساعدك على أذية نفسك بتمزيقكما معا لرداء العفة والحياء والخوف من الله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
كما أنك تساعدينه على جريمة الزنا ولا أقول عنها فاحشة فهي في حق المتزوج المحصن جريمة ليس لها توبة إلا بالرجم حتى الموت، فهلا كففت عن فعل الفاحشة في نفسك، وامتنعت عن مساعدة غيرك في جريمته؟
إذا كان يحبك فعلا فخيريه بين أحد أمرين:
إما أن يتقدم لأهلك ويخطبك بشكل رسمي، أو أن يبتعد عن طريقك نهائيا، ويدعك تعيشين حياتك بدون معصية تؤدي بك إلى فضيحة الدنيا أو العذاب في الآخرة أو كليهما معا.
يا ابنتي..
تذكري أن الله سبحانه أمدك بالنعم الكثيرة ومنها هذا الجسد الممتلئ شبابا وقوة وصحة وعافية، وهي أمانات لديك، فإن حفظتها حفظها الله عليك، أما إن ضيعتها فهل تأمنين أن يسلبك الله إياها لأن عاقبة نكران النعمة سلْبُها؟ وإذا لم يعاقبك عليها في الدنيا فهل تعرفين متى سينتهي أجلك؟ وهل في عمرك بقية لتوبة؟
هل تعرفين ما هو عقاب الزناة يوم القيامة؟ ذكر الرسول -عليه الصلاة والسلام- رؤيا أراه إياها الله ورؤياه جزء من النبوة، ومما ورد فيها:"إنه أتاني الليلة آتيان وأنهما قالا لي انطلق، وإني انطلقت معهما ..."فذكر أصنافا من أهل النار ثم قال:"فانطلقنا إلى نقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع، يتوقد تحته نار، فإذا ارتفعت ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، وإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة"، وفي رواية:"فانطلقنا فأتينا على مثل التنور فإذا فيه لغط وأصوات فاطلعنا فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضَوْضَوْا"أي صاحوا، وفسرها -عليه الصلاة والسلام- بأنهم الزناة والزواني، وتذكري أن نار الدنيا التي لا نطيق لسعها نار جهنم أشد لهيبا منها سبعين مرة أو أكثر، فهل تحبين أن يكون مصيرك كهؤلاء -لا سمح الله - نار الجحيم وشقاء مستديم؟
هل يكفي أن تدعي الله ألا ييسر لك طريق المعصية، بينما أنت مقبلة عليها بقلبك وهواك ونفسك وكيانك كله؟
أنت تخافين من الله سبحانه ومن عقابه الدنيوي بأن لا يرسل لك الزوج الصالح، أو أن يخونك زوجك لأنك تساعدين هذا الزوج على الخيانة والجريمة، فهلا تذكرت أيضا أن العقاب يمكن أن يكون قبل زواجك بحرمانك مثلا من نعمة القوة في رجليك اللتين تمشيان بهما إلى المعصية؟
الجئي إلى الله سبحانه وتوجهي إليه بهذا الدعاء:"اللهم عرفنا نعمك بدوامها ولا تعرفنا إياها بزوالها". وداومي على الدعاء بسيد الاستغفار الذي علمنا إياه رسولنا -عليه الصلاة والسلام-:"اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت"، فجمع في قوله: أبوء بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي شيئين: مشاهدة منة الله علينا بنعمه، ومطالعة عيب النفس وأخطائها، فمشاهدة المنة توجب المحبة والحمد والشكر لولي النعم والإحسان وهو الله، ومطالعة عيب النفس توجب الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل وقت، وتذكري قوله تعالى في وصف عباده الصالحين:"وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ" (آل عمران: آية 35) .
يا ابنتي إن الذي يستحق الحب فعلا هو المنعم الأول، وهو الله سبحانه الذي ينتظر توبة التائب ليفرح بها سبحانه، وكيف يفرح الله؟ اسمعي قوله عليه الصلاة والسلام:"لَلَّهُ أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح"، فهل تعودين إلى الله وتتوبين إليه وتسألينه أن ينعم عليك بمحبته، بعد إذ أنعم عليك بالخوف منه وترك معصيته والسعي إلى طاعته؟
رحم الله من قال:"انتماؤك إلى الله ارتفاع إليه، واتباعك الشيطان ارتماء عليه، وشتان بين من يرتفع إلى ملكوت السماوات ومن يهوي إلى أسفل الدركات"، فاختاري لنفسك، وكل منا ساعٍ فإما معتق نفسه أو موبقها.
جميعنا هنا في انتظار رسالة منك تفرحنا بتوبتك وانشغالك بما ينفعك دينا ودنيا، ونحن جميعا إخوتك ونريد الخير لك فاعتبرينا أسرتك، ولا تترددي بإرسال أي استفسار أو طلب معونة ولن نتأخر عليك بإذن الله، والسلام عليك.
ــــــــــــــــــــ