فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 14749 من 35630

* د. يوسف القرضاوي

من المبادئ الاخلاقية المهمة في التعامل مع الاسلاميين مع بعضهم البعض: احسان الظن بالاخرين , وخلع المنظار الأسود , عند النظر الى اعمالهم ومواقفهم فلا ينبغي ان يكون سلوك المؤمن واتجاهه قائما على تزكية نفسه , واتهام غيره ...

والله تعالى ينهانا ان نزكي أنفسنا , فيقول: ( هو أعلم بكم اذ أنشاكم من الارض واذ انتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن أتقى ) .

ويذم اليهود الذين زكوا أنفسهم وقالوا: أنهم أبناء الله وأحباؤه , فقال الله تعالى: ( ألم تر الى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ) .

والمؤمن أشد حسابا لنفسه من سلطان غاشم , ومن شريك شحيح .

فهو ابدا متهم لنفسه ولا يتسامح معها , ولا يشوغ لها خطأها , يغلب عليه شعور التفريط في جنب الله , والتقصير في حقوق عباد الله .

وهو يعمل الخير , ويجتهد في الطاعة , ويقول: أخشى ان لا يقبل مني , فأنما يتقبل الله من المتقين , وما يدريني أني منهم ؟

وهو في الجانب المقابل يلتمس المعاذير لخلق الله , وخصوصا لاخوانه والعاملين معه لنصرة دين الله , فهو يقول ما قال بعض السلف الصالح: ألتمس لأخي من عذر الى سبعين , ثم أقول: لعل له عذرا اخر لا أعرفه .

ان سوء الظن من خصال الشر التي حذر منها القرأن والسنة , فالاصل حمل المسلم على الصلاح , وأن لا تظن به الا خيرا , وان تحمل ما يصدر منه على أحسن الوجوه , وان بدا ضعفها , تغليبا لجانب الخير على جانب الشر .

والله تعالى يقول: ( يا أيها الذين امنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن أثم ) والمراد به: ظن السوء الذي لم يقم عليه دليل حاسم .

ويقول الرسول ( ص) :"اياكم والظن فان الظن أكذب الحديث ..".

والمفروض في المسلم اذا سمع شرا عن أخيه ان يطرد عن نفسه تصور اي سوء عنه , وأن لا يظن به الا خيرا , كما قال تعالى في سياق حديث الأفك: ( لولا أذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا وقالوا هذا أفك مبين ) .

صحيح ان سوء الظن من الاشياء التي لا يكاد يسلمن منها أحد , كما روي ذلك في حديث ضعيف , ولكن يقويه ما ثبت في الصحيح , قول النبي (ص) لبعض الصحابة الذين رأوه في الاعتكاف يكلم أمرأة عند المسجد , فأسرعا الخطا فقال:"على رسلكما انها صفية بنت حي ( زوجته) ". فقالا: وهل نظن بك الا خيرا يا رسول الله ؟ قال: ان الشيطان يجري من ابن ادم مجرى الدم , ولني خشيت ان يقذف في قلوبكما شرا"."

ومع هذا ينبغي للمؤمن ان لا يستسلم لوسوسة الشيطان في اساءة الظن بالمسلمين , بل عليه ان يلتمس لهم المعاذير والمخارج فيما يراهم اخطؤوا فيه , بدل ان يتطلب لهم العثرات والعيوب .

فان من أبغض الناس الى رسول الله (ص) وابعدهم عنه مجالس يوم القيامة الباغين للبراء العثرات .

فاذا كان العمل الصادر عن المسلم يحتمل وجها يكون فيه خيرا , وعشرين وجها لا يكون فيها الا شرا , فينبغي حمل هذا العمل على وجه الخير الممكن والمحتمل .

واذا لم يجد وجها واحدا للخير يحمله عليه فيجمل به ان يتريث , ولا يستعجل في الاتهام , فقد يبدو له شئ عن قريب , وما أصدق ما قاله الشاعر هنا:

تأن ولا تعجل بلومك صاحبا لعل له عذرا وانت تلوم

ومما يجب التحذير منه: ما يتصل باتهام النيات , والحكم على السرائر ,وانما علمها عند الله , الذي لا تخفى عليه خافية , ولا يغيب عنه سر ولا علانية .

وهذا مطلوب للمسلم أي مسلم , من عامة الناس , فكيف بالمسلم الذي يعمل للاسلام والذي ضم الى الاسلام العام: الدعوة اليه , والغيرة عليه , والدفاع عنه , والتضحية في سبيله ؟

ومن اجل هذا يعجب المرء غاية العجب , ويتألم كل الألم اذا وجد بعض العاملين للاسلام يتهم بعضهم بالعمالة او الخيانة , جريا وراد العلمانيين واعداء الاسلام فيقول احدهم عن الاخر: هذا عميل للغرب او للشرق او للنظام الفلاني , لمجرد انه خالفه في رأي او موقف , او في أتخاذ وسيلة للعمل مخالفة له , ومثل هذا لا يجوز بحال لمن فقه عن الله ورسوله .

ان مجال السياسة الشرعية مجال رحب , وفيه تتفاوت الأنظار , ما بين مضيق وموسع وبخاصة ان تقدير المصالح والمفاسد وراء الشئ الواحد يختلف الناس فيه اختلافا شاسعا .

وينبغي ان نقدم دائما حسن الظن ولا نتبع ظنون السوء فاناه لا تعغني من الحق شيئا . فهذا يرى السكوت على الحاكم في هذه المرحلة أولى , واخر يرى وجوب المواجهة . وهذا يراها مواجهة سياسية , واخر يراها عسكرية .

وهذا يرى الدخول في الانتخابات وغيره ينكر المشاركة فيها .

وهذه كلها مجالات للاجتهاد لا ينبغي ان تمس دين شخص او ايمانه او تقواه بحال من الاحوال .

ويشتد الخطر حينما يجتمع اتباع الظن واتباع الهوى , كالذي ذم الله به المشركين في قوله: ( ان يتبعون الا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) .

( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ) .

ومن أجل ذلك حذر الرسل - مع مالهم من مقام عنده - من اتباع الاهواء فقال تعالى لداود: ( يا داوود انا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) .

وقال لخاتم رسله محمد عليه الصلاة والسلام في القرأن المكي: ( ثم جلعناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع اهواء الذين لا يعلمون ) .

وفي القرأن المدني ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع اهوائهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله اليك ) .

ان الاخلاص لله يجمع ويوحد , اما اتباع الهوى فهو يمزق ويفرق , لآن الحق واحدا , والاهواء بعدد رؤوس الناس .

وان أكثر ما فرق الامة الاسلامية الى فرق وطوائف شتى في القديم والحديث هو اتباع هوى النفس او اهواء الغير , ولهذا أطلق ( أهل السنة ) على الفرق التي حادت عن ( الصراط المستقيم ) هذا العنوان المعبر ( أهل الأهواء ) فكثيرا ما كان الخلاف غير جذري , وا غير حقيقي , ولكن الذي ضخمه وخلده هو الهوى , نسأل الله السلامة .

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت