فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 14799 من 35630

يوسف ميخائيل أسعد

لا نعني بكلمة (( ثقافة ) )المعرفة، بل نعني الخبرة. ولفظ (( خبرة ) )أشمل بكثير من لفظ (( معرفة ) ). ذلك أن المعرفة حدودها العقل بما يشتمل عليه من مدركات ومتذكرات وأخيلة وتصورات مجردة. أما الخبرة فإنها تتضمن إلى جانب المعرفة بمضامينها الإدراكية والتذكيرية والخيالية والتصويرية ما يمكن أن يكتسبه المرء من عواطف واتجاهات وجدانية، ومن مهارات يدوية ومهارات اجتماعية وقيم تذوقية، سواء كان التذوق تذوقًا دينيًا أم تذوقًا جماليًا أم تذوقًا أخلاقيًا أم تذوقا اجتماعيًا بإزاء العلاقات الاجتماعية بين المرء وغيره من أفراد أو بينه وبين المجموعات الاجتماعية المتباينة التي تقوم بينه وبينها وشائج وعلاقات ومواقف.

وبهذا المعنى الواسع للفظ ثقافة نتدارس اختيار شريك الحياة وقد أخذ في اعتباره ما سبق له اكتسابه من ثقافة. ولعلنا نحدد فيما يلي الحالات التي يتم فيها الاختيار في ضوء الاعتبارات الثقافية:

أولًا ـ امتهان الطرفين بمهنة واحدة فيجدان لغة مشتركة تجمع بينهما وتسمح لهما بالاتصال بعضهما ببعض ذهنيًا ووجدانيًا وأدائيًا. من ذلك مثلًا أن يختار أحد الأطباء طبيبة تعمل معه ويجد رغبة في نفسه لربط حياته بحياتها. فحبه لمهنة الطب يحمله على أن يختار زوجة المستقبل من نفس الفئة التي تمتهن بهذه المهنة.

ثانيًا ـ اختيار شريكة الحياة من أبناء مهنة أو حرفة مكملة أو مساعدة لمهنته أو حرفته. من ذلك مثلًا اختيار الطبيب لصيدلانية أو لإحدى الحكيمات لكي يربط حياته بها. وفي مثل هذه الحالات يكون الاهتمام موجهًا إلى التكامل لا إلى التطابق. فبالنسبة للنوع السابق من الاختيار يكون التطابق بين المهنتين هو الأساس. أما في هذا النوع من الاختيار فإن الأساس يكون التكامل، حيث تكمل مهنة أو حرفة الخطيب مهنة أو حرفة الخطيبة.

ثالثًا ـ الاختيار من مجموعة ثقافية مباينة تمامًا عن المجموعة الثقافية التي ينتمي إليها المرء. وفي هذه الحالة لا يتم الاختيار في ضوء التطابق أو التكامل، بل يتم في ضوء التباين. وهنا نجد أن أمزجة أفراد هذه الفئة التي تنحو في اختيارها إلى مبدأ التباين الثقافي تنفر من مبدأي التطابق والتكامل وتأخذ نفسها بمبدأ التنوع الثقافي أو تباين الثقافة التي يحملها المرء بين أضلعة عن الثقافة التي يحملها الطرف الآخر ويأخذ بها.

رابعًا ـ الاختيار القائم على أساس منهج التفكير وليس على أساس مضمون التفكير. والذين يأخذون أنفسهم بهذا النوع من الاختيار ينحون إلى البحث عن الشخصيات التي تتفق معهم في طريقة التفكير في شتى مجالات الحياة. ومن أهم مناهج التفكير المنهج التحليلي الذي يتناول الشيء أو الفكرة ويأخذ في تحليلها إلى بسائطها، ثم المنهج التركيبي الذي يتناول فيه أصحابه الأجزاء أو البسائط ثم يعمدون إلى إنشاء مركبات متباينة منها، ثم المنهج العلائقي الذي يعمد الآخذون به إلى إقامة علاقات متباينة وكثيرة ودقيقة فيما بين الأشياء أو فيما بين الأفكار بعضها وبعض، ثم المنهج القياسي الذي يعمد الأخذون به إلى استنباط نتائج من أقيسة كأن يقول الواحد منهم (( إن المعادن تتمدد بالحرارة. وهذه القطعة الموجودة أمامي معدن، إذن فهي تتمدد بالحرارة ) )، ثم المنهج الاستقرائي فيخلص من يأخذ به إلى نظريات عامة مستفادة من مشاهدات علمية أو من خبرات محسوسة واقعية.

خامسًا ـ الاختيار القائم على أساس نزعات وجدانية مشتركة. والآخذون بهذا النوع من الاختيار يجتهدون في أن يقعوا على شخص من نفس النوعية المزاجية التي ينخرطون فيها. فإذا كانوا ممن يميلون إلى الضحك، فإنهم يبحثون عن الشخصيات التي تميل إلى المرح. وإذا كانوا ممن يميلون إلى الشاعر الهائجة والمواقف التي تتضمن الإثارة للعواطف، فإنهم ينحون إلى أشباههم في هذا الصدد.

ولنا أن نتساءل عن مزايا هذا النوع من الاختيار الذي يعتمد فيه المرء على المكتسبات الخبرية التي سبق له اكتسابها والتي سبق للطرف الآخر اكتسابها أيضًا. إننا نستطيع تلخيص هذه المزايا فيما يلي:

أولًا ـ لا شك أن الخبرات التي سبق للمرء اكتسابها تصير من لحم كيانه النفسي. فهي ليست رقعًا مضافة إضافة إليه، بل هي مجرى سار فيه نمو شخصيته. من هنا فإن إقامة الاعتبار أهم الاعتبار لما سبق للمرء اكتسابه من ثقافة ثم الإقدام على اختيار شريك الحياة في ضوء ما تم له تحصيله واستيعابه من ثقافة خليق بالتقدير والترجيح. ولعلنا نزعم أن الاختيار على الأساس الثقافي يعتبر في نظرنا من أهم الركائز التي يقوم عليها الزواج الناجح في مستقبل العلاقة بين الخطيبين.

ثانيًا ـ إن تحرر المرأة ووجود رأي لها في مستقبلها يجعل من الضروري أن تقوم علاقات ثقافية بينهما وبين الكثير من أفراد الشباب، الأمر الذي يسمح لها بأن تختار كما هو حال الشبان من بين أفراد الجنس المقابل وقد أخذت في اعتبارها الركائز الثقافية لديها ولدى الشاب الذي تقبله شريكًا لها في مستقبل حياتها.

ثالثًا ـ إن تنوع الاختيارات الثقافية، وهي الاختيارات التي فرعناها قبلًا إلى خمسة فروع، لمما يسمح بخصوبة الاختيار، وهذا مما يساعد على توفير الفرس أمام الشباب من الجنسين للوقوع على شريك الحياة الملائم لتحقيق خطوبة ناجحة، ثم لتحقيق زواج ناجح بعد ذلك.

رابعًا ـ تعتبر الخيارات الثقافية بمثابة نقط التقاء بين شريكي الحياة وذلك. يضمن نجاح الخطوبة والزواج. ولا شك أن التفريعات الخمس التي عرضنا لها آنفًا لا تعني أن يقتصر أمر الاختيار على تفريعة واحدة منها دون باقي التفريعات الثقافية الأربع الأخرى. والمهم بإزائها جميعًا توفير نقط التقاء وركائز يجب الاعتماد عليها في العلاقة بين الطرفين اللذين يختاران بعضهما بعضًا ويتجاوبان بعضهما مع بعض.

خامسًا ـ من الممكن مثلًا أن يأخذ المرء في اعتباره الاتساق الوجداني مع الطرف الآخر حيث تكون الأمزجة المكتسبة أو الموروثة ـ كحب المرح مثلًا ـ متساوقة بالإضافة إلى أن يأخذ في اعتباره الظروف الاجتماعية التي عرضنا لها في الموضوع السابق.

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت