فهرس الكتاب
الغضب والانفعال ردّ فعل طبيعي إزاء كلّ ما يخدش الكرامة ويجرح الإحساس ويؤذي المشاعر ، وهو طبيعي في حال تعرّض الشاب أو الفتاة إلى عدوان خارجي; كصفعة أو بصقة أو شدّ للشعر أو إمساك بالتلابيب أو تحرّش جنسي .
قليلون هم الذين يسكتون أو يمسكون أعصابهم فلا ينفجرون، وهم على صنفين: صنف يتقبّل الإهانة ويبتلعها فلا يشعر بما يمسّ كرامته بسوء ، وصنف ربّى نفسه على عدم تصعيد الموقف بالعنف المضاد ، فهو يعرف أ نّه إذا قابل الشتيمة بالشتيمة واللّكمة باللّكمة فإنّ درجة التوتّر تبلغ مدى يصعب السيطرة عليه . فهو يغضي أو يغضّ الطرف لا من موقف ضعف ، بل من تقدير سليم للموقف . إنّه يخيّر نفسه بين أن يكون كالشاتم أو الضارب في سلبيته ، وبين أن يكون أرفع منه ، فينسحب من موقع الصراع ، أو يقابل الشتيمة بكلمة حليمة مقتديًا بهدي القرآن الكريم في وصفه لـ (عباد الرّحمن) : (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا ) (10) ، أو يسكت مُعربًا بسكوته عن استيائه ، وقديمًا قيل: «السكوت بوجه الأحمق أقوى صفعة توجّه إليه» .
هذا هو العنف بين شخصين ، أو بين طالبين في مدرسة ، أو بين زميلين في معهد ، أو بين صديقين في ناد ، أو بين جارين في محلّة ، أو بين سائرين في شارع . وحتّى هذا اللون من العنف يتّخذ أساليب أعنف أحيانًا ، وذلك باستخدام العصي أو الحجارة أو الأدوات الجارحة ، ممّا ينتج عنه اضرار بدنية تلحق بالمتنازعين . ومن طبيعة هذه الأساليب أ نّها ترفع درجة العدوان والتحدِّي خاصّة إذا سالت الدماء وتكاثرت الجروح .
وقد يجتمع أكثر من شخص في عدوانهم على شخص آخر ، أي أ نّهم يقومون بما يشبه عمل العصابة التي تستضعف شخصًا ، وهنا تكون الخسائر أكبر ، وقد يؤدِّي العدوان إلى حالات خطيرة تستدعي النقل إلى المستشفى .
وينظر علماء النفس إلى العنف بين الشباب من خلال الزوايا التالية:
1 ـ العنف قناة أساسيّة لتبديد الطاقات ونسف الإنجازات .
2 ـ تعريض أمن المجتمع للكثير من المخاطر .
3 ـ إنّ الجذر الفكري الذي يغذّي العنف هو (التعصّب) .
4 ـ إنّ التعصّب الذي يؤدِّي إلى العنف إذا استحكم أدّى إلى (الاستبداد) . فهذه العناصر يغذِّي بعضها البعض الآخر .
ويرى كثير منهم أنّ العنف لم يعد حكرًا على المجتمعات الأجنبية ، بل طال مجتمعاتنا الاسلامية أيضًا .. وقد انتشر بصورة مقلقة استرعت اهتمام المعنيين بشؤون الشباب ، ولاحظوا الأشكال التالية للعنف:
أ . إحداث الأذى للغير بالإعتداء (اللفظي) أو (الجسدي) .
ب . الإعتداء على ممتلكات الآخرين .
وفي دراستهم لأسبابه ، تبيّن أنّ العوامل التالية هي أكثر ما يسبّبه:
1 ـ سوء التربية. 2 ـ الفقر. 3 ـ افتراق الأبوين. 4 ـ عدم وجود مُعيل يعيل العائلة. 5 ـ انشغال الأبوين وانصرافهم عن البيت والأولاد . 6 ـ كثرة ما يعرض من أفلام العنف . 7 ـ ضعف الوازع الديني . 8 ـ رفاق السُّوء . 9 ـ البطالة . 10 ـ تعاطي المخدّرات .
ولو تأمّلنا في هذه الأسباب لرأينا أنّ كلّ واحد منها يمكن أن يكون مبررًا كافيًا لأن يجعل الشاب عنيفًا . فحينما تحتدم مشاعره ويشعر بالضغوط الخارجية المحدقة والصراع الداخلي المحتدم ، ولا يجد هناك من قناة لتصريف غضبه سوى يده أو لسانه ، فإنّه يستسهل التعبير بهما . ففي كثير من الأحيان حينما يكون الشاب واقعًا تحت تأثير سبب أو أكثر من الأسباب المارّة الذكر فإنّه يعدم أسلوب الحوار والتفاهم والتعامل بحكمة ، إنّه يصبح ذا حسّاسية مفرطة ، ويجد أنّ من حوله يعادونه فيحاول الانتقام منهم ، وهو نادرًا ما يجيد فضّ النزاع بالطرق السلمية. فلقد تلقّى دروس العنف من التلفزيون الذي يغذِّي مشاعر الشباب بالكثير من الوسائل والأساليب العدوانية التي تجعلهم يقابلون الإهانة البسيطة بعنف شديد ، والكلمة النابية المبتذلة بعنف جسدي ، والخطأ حتى غير المقصود بردّ الصاع صاعين .
ويرى بعض علماء النفس أنّ السن بين (14 ـ 20) سنة هي بطبيعتها عدوانية ومستعدّة للهجوم ، وعادة ما يكون ذلك وليد تغيرات جسمية ونفسية، ولذلك فإنّ أي تجاهل أو استصغار
للشاب يدفعه إلى العدوان ، فهو يأبى الظلم ويقاومه بالقوّة أحيانًا . وربّما دفعه حبّ التعالي والتسلّط والتفوّق على أصدقائه إلى إثبات قدرته على قهرهم ، ولذلك يزداد ارتكاب الجرائم في أوساط الشباب الذين يعانون أزمات نفسية بيتية أو خارجية .
لكنّنا نفهم من (عنف) الشباب واستعدادهم للهجوم ، هذه القدرة على مواجهة الأعداء والإستبسال في مقارعتهم ، ولذلك نجد أنّ مادة الثورات وحركات التحرّر تستند إلى هذه الروح الغاضبة من أجل الحقّ والعدالة .
كيف نعالج العنف ؟
لا شكّ أنّ معالجة العنف أو أي انحراف تبدأ بمعالجة ومكافحة الأسباب المؤدِّية إليه ، فإنّ المحيط العائلي القاسي العنيف الذي يعيش الخلافات والتقريع والضرب لا يخرّج إبنًا سويًّا خاليًا من عقد العنف والعدوان والتطرّف .
وكذلك العوامل الاقتصادية الضاغطة كالفقر والحرمان والبطالة، والعوامل السياسية كالحرب وتجاوز القانون وغياب العدالة ، إضافة للعوامل الثقافية ومستوى التفكير ، فهذه كلّها تربة خصبة للنزوع إلى العنف ، ومع بقائها أو استمرارها يصبح العلاج فرديًا أو محدودًا .
فبعض علماء النفس يرون أنّ العلاج الفردي للعنف ينطلق من الأمور التالية:
1 ـ التدريب على البدائل السلوكية ، أي أن نتعلّم كيف نحلّ مشاكلنا بطرق متعددة ولا يكون العنف إلاّ الوسيلة الأخيرة أو الاضطرارية .
2 ـ التدريب على تغيير طريقة التفكير بحيث نجد تفسيرات أخرى لا تغضبنا أو تستثير مشاعرنا لأدنى سبب . وأن نجد مبررات لتصرفات الآخرين تخفف من غضبنا وانتقامنا . فعن الإمام علي (عليه السلام) : «لا تظنّن بكلمة خرجت من أخيك سوءًا وأنت تجد لها في الخير محملا» .
3 ـ أن نمارس الاسترخاء والتخيّل الذهني والرياضة والهواية ، فإنّ ذلك ممّا يحدّ من توتراتنا الجسمية والنفسية .
4 ـ أن نتدرّب على أسلوب التفاهم بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن (إدفع بالّتي هي أحسن فإذا الّذي بينك وبينه عداوة كأ نّه وليّ حميم ) (11) .
5 ـ الاهتمام بالواجبات الدينية ، فالالتزام الديني والخُلقي كان دائمًا حائلًا دون العنف السلبي .
6 ـ التدرّب على الرفق وضبط النفس عند الانفعال ، فما دخل الرفق على شيء إلاّ زانه ، ولذلك جاء عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : «مَن كان رفيقًا في أمره نال ما يريد من الناس» .
7 ـ أن نعيش ثقافة التسامح والتراحم والصفح والإحسان «ارحم مَن في الأرض يرحمك مَن في السماء» .
8 ـ هناك نصيحة يقدّمها علماء النفس لتجنّب المزيد من العنف: «انسحب من المشهد .. ابتعد عن مكان العنف» فأنت الشخص الوحيد الذي يمكنك السيطرة على الموقف . ويذكرون القواعد التالية للسيطرة والتحكّم بالعنف:
ـ أخبر الشخص الآخر عمّا يزعجك بلطف .
ـ لا تدع عواطفك تتحكّم بك .
ـ استمع جيِّدًا إلى الطرف الآخر .
ـ حاول أن تتفهّم مشاعر الآخر .
ـ لا تلجأ إلى السباب والشتائم ، فالشتيمة تعاقب نفسها ، وهي إدانة للشاتم .
ـ لا تستخدم يديك في معالجة الموقف المتشنّج .
ـ لا ترفع صوتك ، فهو علامة أصحاب الحجّة الضعيفة .
ـ ابحث ما أمكنك عن حل وسطي توافقي .
ـ وإذا فشلت كلُّ هذه الأساليب اطلب المساعدة من شخص بالغ عاقل راشد .
ــــــــــــــــــــ