فهرس الكتاب
وإن كان السفر يشكل متعة حقيقية للبعض فإن مصاريفه كبيرة بالنسبة لغالبية الشباب، كما هي حال محمد الذي يكتفي بالسفر برفقة عائلته كل صيف، في انتظار أن يحقّق حلمه الكبير بزيارة روما الجميلة التي قرأ وسمع عنها الكثير عبر الكتب والإنترنت. لكنه يردّ علينا حين نسأله عن السفر عبر الإنترنت:"ليس من لمس ورأى كمن تابع المشهد عبر الشاشة".
هل ندرك فعلًا لماذا نسافر وما الذي نجنيه من السفر؟
يصنّف مؤسس ونائب رئيس الجمعية اللبنانية لعلم الاجتماع الدكتور زهير حطب الشباب الذي يعيش تجربة السفر إلى ثلاث فئات ويقول:"إن السفر أصبح هدفًا، إن لم نقل غاية، لشرائح كبيرة من الشباب من مختلف المستويات. فهناك فئة من لم يحصّل العلم، وهناك الفئة التي تسعى من خلال السفر إلى متابعة دراساتها العليا، وثمة فئة ثالثة من الشباب المستقل الذي فتحت أمامه وسائل الإعلام والفضائيات فرصًا للاستعلام والتساؤل عن حقيقة ما يرونه على الشاشات على أرض الواقع، أما من يتخذون قرار الهجرة النهائية فهم من فئة من استعد للأمر عبر رحلات متعددة تحضيرية وقرر، تاليا، مغادرة بلده".
ويعتقد الدكتور حطب أن النتيجة التي ينتهي إليها كل شخص من السفر مختلفة اختلافًا نوعيًا عما قد يفضي إليه الآخرون.
ففئة غير المتعلمين، كما يقول حطب"غاية السفر لديها التسلية والترفيه والتمتع ببعض المنجزات المتوافرة في بلاد الخارج، إنها محطة بين مرحلتين في حياتهم، يتم من خلالها تجديد قواهم وطاقاتهم وتنتهي بتعبئة مخيلتهم وذاكرتهم بأحداث يستعملونها في محيطهم الاجتماعي بعد العودة لإبراز تمايزهم وإغناء تجربتهم من دون الدخول إلى استنتاجات كبرى."
على أن هذه الفئة تكون مرنة أكثر تجاه المتغيرات، ويمكن أن تشكّل مدخلًا لنشر أفكار جديدة عبر نشطاء في صفوفها"."
أما الفئة الراغبة في تحصيل العلم، فإن الخارج يكون قد تبلوَر أصلا في ذهنها من خلال المرحلة الدراسية في البلد الأم بحيث يختزل الخارج إلى مجرد مصدر للإنجاز العلمي والتعليم الجيد وفرص العمل"."
أما الفئة الثالثة، فيرى أستاذ علم الاجتماع أنها تقترب بمواصفاتها العامة من الفئة الأولى لكنها أكثر تحصيلًا ووعيًا، ويفسح السفر أمامها مجالا واسعا لإجراء المقارنات، ليس على مستوى المشاهد السطحية أو الظواهر العامة فحسب، إنما بنظرة جادة ومعمقة للخلفيات السياسية والاجتماعية لاستخلاص العبر"."
ويضيف حطب قائلًا:"السفر بالنسبة لبعض الشباب هؤلاء هو وسيلة لغاية بعيدة، فهم يعتبرون السفر الطريقة الأفضل للانقطاع عن الواقع المأزوم والمعقّد الذي لم يقدّم لهم أي مكاسب أو إنجازات. أما ما تحمله البلاد التي سينتقلون إليها من تناقضات وما سيكون موقعهم فيها وما هي صعوبات الاندماج الاجتماعي إذا ما قرروا العمل فأمور لا تخطر على بالهم البتة".
الهوية الذاتية والتغيير
لا يسقط الدكتور حطب من الاعتبار كون حركة التغيير الاجتماعي في بلداننا العربية قد أصبحت، رغم كثرة العوامل الضاغطة والتغييرية مجتمعة من ثقافية وإعلامية واقتصادية وسياسية، أقل مرونة عما كانته في فترات سابقة،"لأن المحافظة على الواقع القائم حاليًا اتخذ طابع حماية الهوية والثقافة القومية. وأن أي محاولة للتغيير ستودي، بحسب أصحاب هذا الرأي، إلى الذوبان في تيار العولمة الذي توجهه الثقافة الأوروبية والأميركية"
*مجلة هاي/تحقيقات: ناجية الحصري- لبنان/ ياسر خليل- مصر/ سلام كيالي- تونس/ ليلى البارع- المغرب.
ــــــــــــــــــــ