فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 14808 من 35630

الانحراف هو الخروج عن الخطّ والميلان عنه .

فإذا خرج السائق عن خطّ السير نقول إنّه انحرف عن الطريق .

وإذا سار النهرُ باتجاه آخر غير مجراه الرئيس ، نقول إنّ النهر انحرف عن مجراه .

وإذا خرجت المركبة الفضائية عن مدارها ، قلنا إنّ المركبة انحرفت عن المدار .

وإذا خرج المسلمُ عن ضوابط الدين وقواعد الشريعة ، نقول عنه كما نقول عن السائق أو النهر أو المركبة ، إنّه خرج عن خطّ السير أو منهاج الشريعة .

2 ـ هل خطّ السير قيد ؟

ربّما كان في الظاهر كذلك .

لكنّنا يمكن أن نسمّيه بالقيد الايجابي الذي فيه مصلحة للانسان المسلم ، أي الذي يحفظ له سلامته البدنية والعقلية والنفسية ، ويحميه من عدوانه على نفسه ، أو عدوان الغير عليه .

الانحراف إذن خروج عن الحدّ .. فهو (شطط) و (شذوذ) و (تطرّف) والقرآن يعبّر عنه تارة بـ (الفسق) وهو خروج كل ذي قشر عن قشره ، فيقال فسقت النواة أي خرجت عن التمرة ، والمراد به اصطلاحًا العصيان وتجاوز حدود الشرع ، فحينما يقال فسق عن أمر ربّه أي خرج عن طاعته .

فـ (الفسق) انحراف .

ويعبّر عنه تارة أخرى بـ (الزيغ) وهو الميل عن المقصد ، أو الميل عن الطريق ، أي الاعوجاج بعد الاستقامة .

فـ (الزيغ) انحراف .

ويعبّر عنه ثالثة بـ (الضلال) وضلَّ يعني تاه .

فـ (الضلال) انحراف أيضًا .

هناك إذن خط سير لكلّ شيء ، وهو ما يعبّر عنه القرآن بكلمة (الهُدى) : (الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى ) (1) ، (الذي خلق فسوّى * والذي قدّر فهدى ) (2) وكما للسير أو المرور في الطريق قواعده وقوانينه التي تحمي السائق والمارّة من المخاطر ، فكذلك لكلّ مخلوق وكائن حيّ قواعد وقوانين تنظّم له حياته .

هل بإمكانه أن يخرج عنها ؟

نعم ، فهو حرّ في السير عليها أو الانحراف عنها ، لكنّ خروجه عن حدّ أو خطّ السير سيكلّفه ويكلّف الآخرين الكثير .

أما رأيتَ كيف أنّ خروج السائق أو انحرافه عن الجادّة يؤدي إلى حوادث مؤسفة ؟ وإنّ خروج النهر عن مجراه ـ خاصّة في أيام الفيضانات ـ كيف يؤدي إلى ازهاق الأرواح وتدمير البيوت والمزارع والممتلكات ؟

وكيف أنّ المسلم الفاسق الذي لا يراعي حرمة لشيء ، ينتهك القوانين والمقدسات ، ويضرب الضوابط والتعاليم عرض الجدار ، فيعتدي على الأموال والأعراض والأرواح ولا يبالي ؟

ماذا بعدَ الانحراف ؟

إذا ازداد الانحراف أو تُرك من غير علاج ، فلم يثب المنحرف إلى رشده ، ولم يرجع إلى خط السير فإن انحرافه سيقوده إلى (الضياع) . فالانحراف مقدمة أو خطوة على طريق الضياع .

هل حصل لك أن خرجت عن الطريق العام أو المعتاد ، وسلكت طريقًا لم يسبق أن مشيت فيه ، وإذا بك بعد شوط من المسير في الطريق غير المعهود تجد نفسك قد تهت وضللت الطريق ولا بدّ من أن تسأل العارفين به: أنا تائه أين الطريق ؟!

المزيد من الانحراف يعني ضياعًا ، وإذا كان بإمكان المنحرف أن يؤوب إلى الطريق ، فإنّه كالسائق الذي انتبه سريعًا وعاود السير على الطريق العام ، ليتفادى المخاطر المحتملة من قبل أن تودي بحياته .

أمّا المنحرف الذي ترك لنفسه الإنزلاق التام ، والانحدار مع الانحراف يأخذه أين يشاء ، فإنّه سوف يضيع ، وليس كلّ مَنْ ضاع عاد إلى مكانه الصحيح ، وليس كلّ مريض تماثل للشفاء ، ولا كلّ منحرف رجع إلى خط الاستقامة .

(1) طه / 50 . (2) الأعلى / 2 ـ 3 .

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت