فهرس الكتاب
يوسف ميخائيل أسعد
بينما نجد أن اختيار شريك الحياة يتم في بعض الأحيان وفي بعض المجتمعات بالواسطة، فإننا نجد أنه يتم في أحيان أخرى وفي مجتمعات معينة تتسم فيها العلاقات بالفردية والتخفف من الضغوط الاجتماعية ـ بالاختيار الفردي، وبالاعتماد على الإرادة الفردية في الوقوع على الخطيب أو الخطيبة.
والواقع أن الاتجاه العام في المدن ينحو إلى هذه النزعة الفردية في الاختيار. ولعلنا نعزو هذا إلى الأسباب التالية:
أولًا ـ ضعف الضغوط الأسرية على الأفراد بدءًا من الطفولة. فنحن نعلم أنه مع انتشار التعليم فإن الأطفال ينخرطون بالمدارس بدءًا بمرحلة الحضانة. فالطفل لم يعد تحت رعاية مباشرة للوالدين، بل إن مسؤولية الرعاية قد صارت موزعة فيما بين البيت والمدرسة، بل قل إنها قد توزعت على العديد من المؤسسات التي ينخرط فيها الطفل كالنادي والشارع وبيئة الجيران وغير ذلك من المجتمعات نشأت في أحضان المدينة.
ثانيًا ـ تحرر الفتاة منذ طفولتها إلى ما تصير إليه من أعمار متباينة. فهي تتحرر من مراقبة وإشراف الأسرة عبر المراهقة والشباب والكهولة حتى الشيخوخة. فوصاية الرجل على المرأة قد خفت إلى حد بعيد، ولم يعد الرجل هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في الشؤون التي تتعلق بالمرأة وبمستقبلها. ولعلنا نقول إن إرادة المرأة قد تبلورت وبزغت للعيان بعد أن كانت إرادة مستخفية وعاملة من وراء الستار. من هنا فإن الفتاة صارت تشارك في عملية الاختيار لشريك الحياة بالطريق المباشرة أو بالطريق غير المباشرة.
ثالثًا ـ رجحان كفة الفائدة المادية والقيمة النقدية لكل شيء في الحياة العصرية على كفة القيم الأخرى. من هنا نجد أن العلاقات الاجتماعية قد أخذت تعتمد على مبدأ الفائدة وليس على مبدأ القيمة المطلقة. وإنك تجد أن الاختيارات التي كانت سائدة والتي كانت تعتمد على ما كان يأخذ به المجتمع نفسه قديمًا قد ذبلت أو تلاشت، وصارت القيمة كل القيمة لما تجد فيه الفتاة أو يجد فيه الفتى مصلحته الشخصية، وهي مصلحة مادية محسوسة مباشرة في معظمها.
رابعًا ـ انتشار الأفكار والمبادئ التربوية التي تعتمد في أساسها على احترام حرية الطفل منذ نعومة الأظفار، وترك فرص الاختيار أمامه في كل شيء. وبذا فإنه يعتمد على نفسه في الوقوع على الاختيارات التي تروق له بغير اعتمادًا على غيره في هذا الشأن. وبذا فإنه يعتاد على الاعتماد على نفسه في اختيار أشيائه وبالأولى في اختيار شريك الحياة. ولا يقتصر هذا على الشبان بل ينسحب أيضًا على الشابات سواء بسواء.
خامسًا ـ قضاء الوقت الطويل في اختلاط أفراد كثيرين من الجنسين. فالطالب الجامعي، وكذا العامل بالمصنع والموظف بالمكتب يجدون أنفسهم جميعًا وسط شبكة متسعة الأرجاء من الاتصال والتعامل مع أفراد الجنس المقابل. ولا شك أن عناصر الألفة من جهة، وقضاء الوقت الطويل بعضهم مع بعض من جهة أخرى، ووجود اهتمامات ومشكلات مشتركة من جهة ثالثة، ومجابهة نفس النوعية من الظروف والمواقف والتحديات من جهة رابعة، والانسجام النفسي الناجم عن الانخراط في نفس المرحلة العمرية من جهة خامسة، لمما تعمل جميعًا على مساندة الاختيار الفردي من جانب الشاب أو الشابة.
ومن غير شك فإن هناك مزايا وعيوبًا في عملية الاختيار الشخصي الفردي الذي يعتمد فيه المرء على فكره وإرادته الشخصيين. ويحسن بنا أن نبدأ بمدارسة مزايا هذا النوع من الاختيار، فنجد أن تلك المزايا تتحدد فيما يلي:
أولًا ـ يعتبر الزواج في الواقع عملية شخصية بالدرجة الأولى. فالزواج هو في النهاية علاقة جنسية واجتماعية ترتكز على قطبين وحيدين هما الزوج والزوجة ونحن نعلم في ضوء الاعتبارات السابق ذكرها التي شجعت على قيام هذا النوع من الاختيار الشخصي ـ أن النزعة الفردية هي التي صارت سائدة في العصور الحديثة بعد أن تقلصت العلاقات الأسرية وضعفت وشائجها، وبعد أن صار الفرد في مجابهة مباشرة بمسؤولياته في الحياة.
ثانيًا ـ من المؤكد أن الأبناء من الجنسين لا يتطابقون في أمزجتهم وتقديراتهم الجمالية والجنسية مع أمزجة وتقديرات الوالدين. ومن هنا فإن الاختيار الذي يعتمد فيه المرء على نفسه يكون اختيارًا مناسبًا له في الغالب.
ثالثًا ـ لقد صار للتفاهم والتقارب النفسيين دور أساسي في عملية الاختيار للزواج. ومن هنا فإن الاختيار الشخصي يرتكز بالدرجة الأولى على ما يحس به الشاب والشابة من تجاذب طبيعي بينهما. وبذا فإن الزواج يقوم بصفة أساسية على ركيزة جوهرية لا يمكن الإغضاء عنها هي الركية النفسية في عملية الاختيار للارتباط بشريك الحياة بالخطوبة ثم بالزواج.
رابعًا ـ إن اختيار شريك الحياة المقبل بالاعتماد على الفكر والإرادة الشخصيين يجعل لذلك الاختيار قيمة خاصة في نظر الخطيبين. فهو أمر لم يفرض عليهما من خارج، بل إنه أمر نابع من دخيلتيهما وعلى مسؤوليتهما. وبتعبير آخر فإن الزواج الذي يقوم على أساس الاختيار الشخصي يشكل في الواقع مسؤولية تقع برمتهما على العروسين ومن ثم فإن فصم العرى بينهما يكون من الصعوبة بمكان.
خامسًا ـ أن الاختيار الشخصي للخطيب أو الخطيبة إنما هو تأكيد للتمتع بالحرية الفردية في شق أهم طريق من طرق حياة المرء. فلا يقل اختيار المرء لشريك حياته عن اهمية اختيار العمل الذي يضطلع في الحياة. ولا شك أن إيكال الاختيار إلى آخرين يعني العجز عن الاختيار أو يعني أن أولئك الآخرين يحجرون على المرء بإزاء جانب أساسي من جوانب حياته، ويسلبونه حقًا رئيسيًا من حقوقه في الحياة.
أما عن عيوب هذا النوع من الاختيار فإننا نستطيع أن نلخصها فيما يلي:
أولًا ـ إن الشاب والشابة يكونان في الغالب قليلا الخبرة في الحياة. فعدم أخذهما المشورة من آخرين تكون لهم بصيرة واسعة بالحياة، إنما يحرمهم من حسن الاختيار. ولذا فإن الاستقلال في الاختيار بإزاء هذا الموضوع الجوهري الذي تعتمد عليه السعادة في مستقبل الحياة برمتها يكون مجازفة خطيرة تحمل في طياتها مخاطر جسيمة.
ثانيًا ـ كثيرًا ما يندفع الشاب أو تندفع الشابة إلى عقد أواصر الخطوبة أو حتى عقد عرى الزوجية تحت تأثير الانبهار بناحية واحدة كجمال الخلقة أو خفة الدم أو توهم الرقى أو الرفعة في الطرف الآخر. ولكن ما أن تقع الفأس في الرأس كما يقال، حتى يتلاشى الانبهار وتظهر الحقيقة المرة التي كان يمكن تحاشيها لو أن الشاب أو الشابة كانا قد أخذا مشورة الآخرين من الكبار ولم يندفعا بحماس الشباب بدعوى التمتع بحق الاختيار الشخصي وعدم الخضوع لفكر وإرادة الكبار من حولهم وبخاصة الوالدين.
ثالثًا ـ كثيرًا ما يندفع الشباب نحو عقد الخطوبة بغير بصر بالمسؤوليات المادية أو بغير الانتهاء من الدراسة أو بغير الامتهان بمهنة. فإذا ما انكشف الغطاء وانجلت الأمور وخفت وطأة الحماسة وأحس الشاب والشابة بمسؤولية إعداد الذات قبل الإقدام على الخطوبة والزواج، فإن ما يكونا قد توهماه من آمال عريضة لا يكون إلا كسراب أو كسحابة صيف.
رابعًا ـ إن الخطوبة والزواج ليسا مجرد علاقة بين شاب وشابة، بل هما أيضًا علاقة بين أسرة الشاب وأسرة الشابة. من هنا فمن الواجب أن تكون هناك مناسبة وانسجام بين الأسرتين وليس فقط بين العروسين. والواقع أن الكثير من الخطوبات تفشل لأن الانسجام لم يكن إلا بين العروسين ولم ينشأ بين الأسرتين النسبيتين.
خامسًا ـ ليست الخطوبة والزواج مجرد تعلق قلبين وإحساس بميل جنسي بين طرفين متحابين، بل إن الخطوبة والزواج بمثابة عقد ـ أو هما في الواقع عقد ـ يتضمن شروطًا بعضها شروط مادية بحتة. وفي الغالب يكون الشابان غير مؤهلين لتحمل مسؤولية التفاوض بإزاء الشروط المتعلقة بالمهر ومؤخر الصداق وتكاليف المسكن والأثاث وغير ذلك من نفقات. وليس يعزب عن البال أن الكثير من الخطوبات الشخصية تبوء بالفشل نتيجة الاصطدام بهذا الأمور.
ــــــــــــــــــــ