فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 14748 من 35630

* معتصم الغنيمي

عندما تضطرب القيم والمفاهيم لدى أي مجتمع من المجتمعات تبدو الفوضى والعبثية هي السائدة فيما يصبح الإنسان مهددا في نفسه وعرضه وماله، لأسباب عديدة في مقدمتها هيمنة الظلم وغياب العدل وتهميش العقل والمنطق فضلا عما يترتب على ذلك من فساد الخلق والضمير الأمر الذي يوفر الأجواء الموبوءة التي تمرر من خلالها أساليب سيئة كثيرة لإلحاق الأذى والضرر بالآخرين والإيقاع بهم بدون مسوغ أو مبرر.

وفي مقدمة تلك الأساليب السيئة (القذف والاتهام) حيث يكونان عادة قرينان للظلم وغياب العدل ففي زمن الظلم يصبح اضطهاد الإنسان وإلحاق الأذى به هو القاعدة فيما يبدو الانصاف وتحكيم العقل والمنطق هو الاستثناء وبناء على ذلك فإن مثل هذه الأساليب تعد جزء لا يتجزأ من الفوضى السياسية والاجتماعية السائدة وبعضها من المبررات المعنية بتشغيل آلة الظلم والإرهاب ولاشك ان مثل ذلك الواقع المجرد من الضوابط والقوانين الإنسانية المطلوبة يبدو وهو بأمس الحاجة إلى المفاهيم التربوية والأخلاقية الكفيلة بتنمية كوامن الخير والصفات الحسنة في المجتمع وصولا إلى إيجاد القوة الذاتية الرادعة والتي يمكن الاستعاضة بها ولو نسبيا عن تلك القوانين والضوابط المصادرة.

ومن هنا نجد ان هناك العشرات من الأحاديث والروايات المعنية بإيجاد القوة الذاتية في المجتمعات الإسلامية عندما تعيش أوضاع الفوضى والعبثية ومصادرة القيم والأخلاق كما هو سائد اليوم في بقاع عديدة من عالمنا الإسلامي.

ويلاحظ ان هذه الأحاديث الشريفة الواردة عن الأئمة من أهل البيت (ع) إضافة إلى الروايات الداخلة في هذا الإطار تلتقي جميعها على ذم الاتهام والقذف وتنهى عنهما نهيا شديدا حيث لا يمكن ان يجتمعا مع حسن السريرة ويقظة الضمير.

وفي حديث للإمام علي بن موسى الرضا (ع) يؤكد ان هنالك العديد من الأخطار الإنسانية والاجتماعية المترتبة على قذف المحصنات مثلا وطعنهن في أعراضهن حيث يؤدي مثل ذلك الفعل السيء إلى المساس بالكثير من الضوابط والقوانين الفقهية والاجتماعية الأمر الذي يوجد مشاكل وأضرار كثيرة تلقي بضلالها السوداء على مصائر العديد من الأشخاص الأبرياء.

يقول الإمام علي بن موسى الرضا (ع) : (حرم الله قذف المحصنات، لما فيه من فساد الأنساب، ونفي الولد، وإبطال المواريث، وترك التربية، وذهاب المعارف وما فيه من المساوئ والعلل التي تؤدي إلى فساد الخلق) .

وروي عن الإمام الصادق (ع) إنه قال: (أتى عمر بن الخطاب بجارية قد شهدوا عليها أنها بغت، وكان من قصتها أنها كانت يتيمة عند رجل، وكان الرجل كثيرا ما يغيب عن أهله، فشبت اليتيمة، وكانت جميلة، فتخوفت المرأة ان يتزوجها زوجها إذا رجع إلى منزله، فدعت نسوة من جيرانها فامسكنها، فأخذت عذرتها بأصبعها فلما قدم زوجها من غيبته، رقت المرأة اليتيمة بالفاحشة، وأقامت البينة من جاراتها اللاتي ساعدنها على ذلك فرفع ذلك إلى عمر، فلم يدر كيف يقضي فيها، ثم قال للرجل: ائت علي بن أبي طالب، وأهذب بنا إليه.

فاتوا عليا (ع) فقصوا عليه القصة فقال لامرأة الرجل: ألك بينة أو برهان؟ فقالت: لي شهود هؤلاء جاراتي يشهدن عليها بما أقول فأحضرتهن، فأخرج علي (ع) السيف من غمده وطرحه بين يديه، وأمر بكل واحدة منهن، فأدخلت بيتا ثم دعا امرأة الرجل فأدانها بكل وجه، فأبت ان تزول عن قولها، فردها إلى البيت الذي كانت فيه، ودعا إحدى الشهود وجثى على ركبتيه، ثم قال: تعرفيني، أنا علي بن أبي طالب، وهذا سيفي وقد قالت امرأة الرجل ما قالت ورجعت إلى الحق، وأعطيتها الأمان، فإن لم تصدقيني لأملأن السيف منك. فالتفتت إلى علي (ع) فقالت: يا أمير المؤمنين الأمان على الصدق؟ فقال لها (ع) فاصدقي. فقالت: لا والله ما زنت اليتيمة، إنها أي امرأة الرجل رأت جمالا وهيئة فخافت فساد زوجها، فسقتها المسكر، ودعتنا فأمسكناها، فافتضتها بإصبعها.

فقال علي (ع) : الله أكبر، أنا أول من فرق بين الشهود الا دانيال النبي (ع) وألزم علي (ع) المرأة حد القاذف وأمر المرأة ان تنفى من الرجل ويطلقها زوجها، وزوجه الجارية).

وهكذا نجد ان الأبعاد التربوية المشتملة عليها هذه الرواية تضع أمام الوعي المسلم الشروط والضوابط الواجب مراعاتها ازاء الأخبار والمعلومات غير الدقيقة والمشكوك في مصادرها وأسبابها ودواعيها قبل ان يجري إطلاق الحكم واتخاذ الموقف والاجراء ولاشك ان ذلك مصداقا لقوله تعالى:

(يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) .

وفي عصرنا اليوم حيث تشهد القيم والمفاهيم اضطرابا واهتزازا خطيرا جراء انتشار الظلم والاضطهاد والاستعاضة عن الشريعة بالأطروحات الوضعية والافكار الدنيوية تأخذ مثل هذه الظاهرة السيئة (الاتهام والقذف) مساحة واسعة على الأصعدة الاجتماعية والسياسية حيث تعتمد كوسيلة لتصفية الحسابات الشخصية أو الحصول على المنافع والمكاسب الأنانية عن طريق التزلف لأصحاب السلطة والجاه وهكذا نجد ان المخاطر المترتبة على انحسار القيم والمفاهيم السماوية تتحول إلى ممارسات تقليدية وتجاوزات شائعة قد لا يرى الكثير من التعاطي معها والقيام بمزاولتها ما يترتب عليه مساس بالإيمان أو طعن في الدين ولاشك ان مثل ذلك الاعتقاد ناتج عن جهل أولئك البعض الأمر الذي يجعلهم يعتقدون ان صلاتهم وصومهم كافيون لأداء ما يناط بهم من واجبات وفرائض فيما يتعمد البعض الآخر مثل هذه الممارسة جراء سوء الطبع وضعف الإرادة وهما أمران كثيرا ما تقترن معهما دوافع وأسباب عديدة من قبيل الحقد والغيرة والتنافس غير الشريف وجميع هذه الدوافع والأسباب تسهم اسهاما مباشرا في خلق الأجواء الموبوءة والصالحة الانتشار مثل تلك الظاهرة الذميمة والخطيرة.

وعلى خلاف ما هو شائع في الأوساط التي أدمنت مثل تلك الممارسات القبيحة حتى أصبحت أشبه بالعادة المألوفة لديها نجد أن الأئمة من أهل البيت (ع) يؤكدون على الابتعاد عن الاتهام والقذف سواء جاءا ضد الإنسان المؤمن أو المسلم أو تمت ممارستهما بحق المشرك أو الذمي من أهل الكتاب وذلك مراعاة لحقوق الإنسان وحفاظا على أمنه وأمانه بغض النظر عن توجهه أو إنتمائه.

روى عمر بن النعمان الجعفي أنه كان لأبي عبد الله (الإمام الصادق(ع ) ) صديق لا يفارقه إذا ذهب إلى مكان. فبينما هو يمشي معه في الحذائيين ومعه غلام سندي يمشي خلفه، إذ التفت الرجل يريد غلامه، ثلاث مرات فلم يره فلما نظر في الرابعة قال: يابن الفاعلة أين كنت؟

قال فرفع أبو عبد الله (ع) يده فصك بها جبهة نفسه، ثم قال: سبحان الله تقذف أمه؟

قد كنت أرى ان لك ورعا.

فقال: جعلت فداك، إن امه سندية مشركة.

فقال: أما علمت ان لكل أمة نكاحا؟ تنحى عني.

قال: (فما رأيته يمشي معه حتى فرق الموت بينهما) .

إن واجب الإنسان المسلم ان يشيع الطيب من العمل والقول وان يتصدى للخبيث منهما قال تعالى: (مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة أجتثت من الأرض مالها من قرار) .

ويقول الرسول الأكرم (ص) :

(المسلم من سلم الناس من يده ولسانه) .

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت