فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 14348 من 35630

المتعة والشعور بالذنب : هل أنت قسرية ؟

الوسواس القهري والإدمان, مع النفس

بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحية طيبة وبعد:

أنا فتاة في السابعة عشرة من عمري، أعاني من مشكلة رافقتني في سنوات دراستي السابقة وما زالت تؤرقني حتى اليوم، علما بأنني أصبحت في آخر سنة من سنوات دراستي الثانوية، في الواقع لا أعلم إن كان بوسعي تسميتها مشكلة أم لا؟ ولكن كل ما أيقنه أن هذا الموضوع يسبب لي الكثير من الألم والمتاعب...

وموضوعي أن هناك فكرة راسخة في ذهني وهي أن السعادة والنجاح في الدراسة لا يتفقان، قد يبدو الأمر بالنسبة لكم غريبا، ولكنني سأحاول شرحه وإيضاحه.

أنا من المتفوقات في مدرستي ومحبوبة لدا زميلاتي ومدرساتي، وعادة أحصل على معدلات مرتفعة وشبه نهائية في معظم المواد، ولكن هناك شيء ما في داخلي يشعرني بذنب شديد كلما جلست مع صديقاتي تحدثنا واستمتعنا بوقتنا، أو كلما قمت بأمر ممتع شعرت بالسعادة، فأقول في نفسي بأن هذا الوقت وقت مذاكرة ودراسة ولا يحق لي أن أستمتع وألعب، حتى إن كانت هذه المتعة في وقت الفراغ؛ ولهذا السبب أحاول أن أبتعد عن أي مصدر من مصادر السعادة في حياتي، فأبتعد عن صديقاتي وأتجاهلهن، وأبتعد عن هواياتي وعن كل ما يمتعني حتى لا أشعر بتأنيب الضمير.

الجميع يقولون إنني نكدية أو أبحث عن التعاسة، وكلما راجعت في نفسي هذا الكلام وجدته صحيحا، ولكنني بصراحة أخاف أن أريح نفسي حتى لا يتأثر مستواي الدراسي؛ حتى أنني أفكر في الانتقال إلى مدرسة أخرى لا أعرف فيها أحدا فأكون متفرغة لدراستي تفرغا كاملا.

إن هذا الموضوع يشعرني بأنني لست إنسانة طبيعية؛ فأنا لست ككل الذين في مثل عمري فلا أملك أصدقاء ولا معارف ولا حتى ذكريات مدرسية جميلة؛ فكل الذي أهتم به هو دراستي فقط، أرجوكم ساعدوني في إيجاد حل يريحني ويريح ضميري. وجزاكم الله خيرا.

... المشكلة

أ.د. وائل أبو هندي ... اسم الخبير

... ... الحل ...

... المشكلة يا أختي هي باختصار شديد أن لديك إحساسًا متضخمًا بالمسؤولية ورغبة دائمة في إدراك الكمال؛ فأنت تحسين بأنك مسؤولة عن الحفاظ على ما وصلت أنت إليه من نجاح وتريدين استمراره وهذا شيء طيب، ولكن في حدود ألا يتعارض مع متطلبات فتاة في بدايات شبابها من توسيع لمدركاتها ودائرة أنشطتها. كما أن لديك نزوعا مفرطا للشعور بالذنب كلما توهمت أنك استمتعت بحياتك وضيعت الوقت .

وكلتا هاتين الصفتين هما من صفات أصحاب الشخصية القسرية، والشخصية القسرية هي واحدة من الشخصيات الطبيعية التي تعيش بين الناس، وكثيرًا ما تتمتع باحترامهم وإعجابهم في العديد من صفاتها كالانضباط والدقة والالتزام والتفاني في العمل والشعور بالمسؤولية والواجب؛ فأصحاب الشخصية القسرية العادية التي لا تصل إلى مرحلة الاضطراب هم أشخاص يتميزون بوجود بعض السمات السلوكية التي يمكن أن تعد صفات مرغوبة أو خصالًا حميدة أو خصائص يوسم بها الأخيار من البشر كالنظافة والدقة والنظام ويقظة الضمير والوفاء بالعهد وغيرها من الصفات المحمودة في المجتمع.

وبعض هذه الصفات حتى في درجتها المتطرفة يمكن أن تعد لازمة لبعض المهن، كالنظافة المفرطة بالنسبة للجراح، والدقة والنظام والمراجعة بالنسبة للباحث في المجالات العلمية، وتكرار التأكد من صلاحية أجهزة قيادة الطائرة قبل الإقلاع لدى الطيار مثلا، ويقظة الضمير والوفاء بالعهد بالنسبة لأي إنسان صالح.

لكن هذه الصفات والسمات إذا وصلت شدتها وزادت حدتها عن الحد الذي يسمح لحياة الشخص وتفاعلاته مع الآخرين بالسلاسة، فإنها قد تصل إلى مرحلة اضطراب الشخصية القسرية التي تتسبب في بعض الأحيان في إعاقة حياة الفرد بدلًا من تيسيرها، وتؤثر سلبًا في حسن أدائه لدوره في الحياة، فتكون سببا في معاناة الشخص ومعاناة المقربين منه سواء في محيط أسرته أو محيط عمله.

واضطراب الشخصية القسرية في الطب النفسي لا يكفي لتشخيصه بالطبع وجود صفتين فيك فقط، ولكنني سأسرد عليك هنا صفات اضطراب الشخصية القسرية لكي تبحثي في نفسك عما هو موجود وعما هو غير موجود، فإذا وجدت في نفسك ثلاثة ملامح على الأقل من الملامح التالية، موجودة بشكل دائم، وفي معظم الأحيان إن لم يكن كل مواقفك وتعاملاتك في حياتك (بشرط أن تكون هذه الملامح غير قابلة للتكيف تبعًا للمواقف الحياتية المختلفة، أي يجب ألا تكون أي صفة منهم مرنة حسب الظروف) ، فإن شخصيتك تعتبر شخصية قسرية:

1-مشاعر الشك والحذر الشديدين: ومشاعر الشك والحذر هي مشاعر يعيشها البشر جميعًا بالطبع، لكن المقصود هنا هو أن تكون هذه المشاعر عامةً ومتغلغلة في كل ما يقوم به الشخص من أنشطة بما في ذلك الأنشطة الفكرية؛ فكلنا يشك عندما تكون صورة موقف معين غير واضحة في ذهنه، ولكن المقصود بالشك هنا إنما هو الشك المرضي في الأشياء التي عادة لا يشك فيها الناس، مثلًا الشك في إتمام فعل ما على النحو المضبوط من وجهة نظر الشخص، أو الشك في أنك قمت بالفعل من عدمه.

أي أن الشك هنا يقصد به الشك في أفعال الشخص نفسها؛ وهو ما يجعل الآخرين يرون في ذلك دليلًا على عدم ثقته بنفسه، وهذا المفهوم للشك مختلف عن نوع آخر من الشك هو الشك في نوايا الآخرين، أو ما أرى أن الظن تسمية أفضل له، فحتى عندما يشك صاحب هذا النوع من الشخصية القسرية المتسمة بالشك والحذر في أفعال الآخرين فإنه يشك فيها ليس من جانب نواياهم وإنما من جانب اهتمامهم بإتمام الفعل على النحو الأكمل، وهو لذلك يفضل أن يعمل كل ما يخصه أو يخص عمله بنفسه.

وأما الحذر فإنه أيضًا خبرة بشرية نعرفها جميعًا، وكثيرًا ما نكون حذرين أثناء قيامنا بالعديد من المهام، ولكن المقصود بالحذر عند صاحب الشخصية القسرية هو الحذر المتطرف في غير موضعه في الكثير من الأحيان، وإذا ما تعمقنا في محاولة فهم الدافع وراءه عند صاحب الشخصية القسرية فإننا سنجد إحساسًا متضخمًا بالمسؤولية، وتصورًا مبالغًا فيه لما يمكن أن يحدث من كوارث نتيجة خطأ بسيط صادر عن الشخص.

2-الانشغال بالتفاصيل، والقواعد، والقوائم، والنظام، والتنظيم، أو مخططات العمل: وكل إنسان يحترم عمله، ويحب أن يتقنه ينشغل بهذه الأشياء أيضًا، إلا أن انشغال صاحب الشخصية القسرية بذلك يختلف من ناحية الكم؛ لأن انشغاله يزيد بشكل واضح عن المعقول أو المطلوب بالنسبة للعمل الذي يؤديه، كما أن انشغاله يختلف من ناحية الكيف أحيانًا فتراه يصنع الجداول ويسجل القوائم لأشياء يعتبرها الكثيرون لا تحتاج إلى أكثر من مجرد التركيز أثناء العمل، أما صاحبنا فإنه ربما يقضي الليل منهمكًا في إعداد القوائم وتفاصيل التفاصيل لكيفية عقد لقاء مرءوسيه في العمل مع مندوب شركة صغيرة مثلًا، فإذا أردنا تطبيق ذلك عليك فسنجد أنك تعطين وقتًا أكثر من اللازم لاستذكار دروسك في حين أن مستوى ذكائك يحتاج إلى أقل من ذلك.

3-الكمالية التي تتداخل مع إكمال الواجبات المطلوبة: أما الكمالية فإنها صفة محمودة بوجه عام، يربينا عليها آباؤنا وأمهاتنا، ويحث عليها ديننا ونحاول جميعًا الوصول إليها في كل ما نحبه من أفعالنا، إلا أن الكمالية المقصودة عند صاحب الشخصية القسرية مختلفة إلى حد كبير فهي كمالية في الالتزام بالقواعد والتفاصيل والترتيب أكثر مما هي كمالية تتعلق بالفعل نفسه، بمعنى أنها كمالية تتعلق بشكل وحرفية الأداء أكثر مما تتعلق بالأداء نفسه، وبمعنى أنها قد تتعارض أحيانًا مع إتمام الفعل بسبب الشك والتردد المستمر حول سلامة الإجراءات والخطوات.

4-الدقة المفرطة والشك الشديد، والانشغال غير الضروري بالإنتاج لدرجة استبعاد المتعة والعلاقات الشخصية: وأما الدقة المفرطة فإنها بالطبع نتيجة طبيعية للالتزام بحرفية الأداء مع الخوف من الوقوع في الخطأ، والدقة في حد ذاتها صفة مرغوبة ومحمودة في كل المجتمعات البشرية، لكنها عند صاحب الشخصية القسرية تأخذ أبعادًا تعيق الشخص عن أداء الفعل؛ لأنها تتسببُ في البطء الشديد والتردد في اتخاذ القرارات وأحيانًا الإحجام عن الفعل بسبب عدم التمكن من الوصول إلى الدقة المطلوبة من وجهة نظره.

وأما الانشغال غير الضروري بالإنتاج لدرجةِ استبعاد المتعة والعلاقات الشخصية فيتعلق بما يبديه صاحب الشخصية القسرية من انغماس في عمله وتفانٍ فيه إلى الحدود التي تجعله يهمل كل ما عدا العمل ومعدل الإنتاج الذي يصل إليه خلال أدائه، إنه مثلًا لا يهتم بمراعاة الواجبات الاجتماعية، ولا يهتم كثيرًا مثلا باصطحاب زوجته أو أطفاله إلى الطبيب لا لشيء إلا لأنه ملتزم بإتمام العمل الخاص بالشركة التي يعمل بها حتى أثناء وجوده في البيت، هو بالطبع لا يفعل أكثر مما يفعله الآخرون، لكنه يفعله بدقة تستغرق وقتًا أطول، كما أنه يلزم نفسه بأداء ما لا يحتاج لمن هم في مركزه لأدائه، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يحمِّل المسؤولية للآخرين كما سأبين في السطور التالية.

5-الحذلقة المفرطة والالتزام الشديد بالتقاليد والعادات: ثم إن صاحب الشخصية القسرية يتميز بالحذلقة المفرطة والالتزام الشديد بالتقاليد الاجتماعية؛ بحيث يضيق من حوله بالتزامه المبالغ فيه إلى هذا الحد فتراه جاهزًا لإعطاء النصائح للآخرين ولمطالبتهم بالعمل بالشكل الذي يرضي الله كما يرى، بينما الحقيقة هي أنه يريدهم أن يفعلوا الأشياء بنفس الطريقة والشكل الذي يفعلها هو به، والحقيقة أن الفرق ما بين الشكلين أو الطريقين لا يكمن إلا في اهتمامه المبالغ فيه بحرفية الأداء والذي -كما قلت من قبل- قد يؤثر على روح العمل نفسه، فصاحبنا مثلًا متدين جدا ويهمه جدا أن تصح صلاته إلى درجة أنه قد لا يصلي لأنه لن يستطيع الصلاة على الوجه الذي يراه صحيحًا.

6-التصلب والعناد: وهاتان صفتان غير محمودتين في أغلب الأحيان، ولعل وجودهما إلى جانب الصفات سابقة الذكر هو السبب في حرمان هذه الشخصية من المرونة التي تسمح بالتعامل مع المواقف الحياتية المتباينة، ويرجع السر في وجودهما في الحقيقة لا إلى تمسك بمبدأ أو وجهة نظر معينة بقدر ما يرجع إلى عدم قدرة الشخصية على تغيير القواعد واللوائح التي يراها سليمة لسبب بسيط هو أنه يخاف إن لم يلتزم بالطريقة الحرفية للأداء أن يخطئ أو يفقد قدرته على التحكم في كل شيء، وهذه الرغبة في التحكم في كل شيء إنما تصبغ تصرفات هذه الشخصية.

7-الإصرار غير المقبول من قِبل المريض على أن يخضع الآخرون بشكل كامل إلى طريقته في عمل الأشياء، أو التردد غير المقبول في السماح للآخرين بعمل شيء: ومعنى ذلك أن هذا الشخص يريد من الآخرين أن يلتزموا بأداء الأشياء بنفس طريقته هو في الأداء، فلا يقبل من أحد أن يكون مبتكرًا مثلًا، ولا أن يكون مجددا، وهو في الواقع لا يثق في هؤلاء الذين يخالفون اللوائح والتفاصيل الدقيقة، وعادة ما تراه مترددًا في السماح للآخرين بأداء أجزاء من العمل الذي يتحمل هو مسئوليته الكلية إلى الحد الذي يضطره في الكثير من الأحيان إلى القيام بكل شيء بنفسه كما أسلفنا.

هذا النوع من أنواع الشخصية إذن يحمل من الصفات الطيبة المحمودة اجتماعيا أكثر مما يحمل من الصفات السيئة أو المذمومة اجتماعيا، وهو لذلك من أكثر أنواع الشخصيات انتشارا، حيث يوجد في نسبة تزيد على الواحد في المائة، وهو أكثر في الرجال عنه في النساء، وعادة ما تبدأ السمات في الظهور بصورة ما في فترة الطفولة، ولا أحد بالطبع يتوقع من أسرة تجد ابنها يريد الوصول إلى الكمال أو الدقة أو الانضباط أو الالتزام، إلا أن تشجعه الأسرة على ذلك، لكن تشخيص اضطراب الشخصية القسرية في الطب النفسي غير ممكن قبل سن السابعة عشرة من العمر، وكذلك تشخيص أي نوع من أنواع اضطرابات الشخصية إلا بعد الوصول إلى هذه السن.

وأما من الناحية المعرفية فإن أصحاب الشخصية القسرية يختلفون من ناحية طريقة التفكير ومن ناحية الاعتقادات والأساليب التي يفهمون العالم من خلالها ويتصرفون على أساسها، ولعل المعتقد الأساسي في عقولهم هو أن الأخطاء سيئة، وأنني يجب ألا أخطئ لكي لا أكون سيئًا، وطريقته في ذلك بالطبع هي محاولة الوصول إلى الكمالية في كل ما يفعل ويطلبه من كل من يستطيع الحكم على أفعالهم، ومما وجده رواد التوجه المعرفي في العلاج النفسي في أصحاب هذه الشخصية المجموعة التالية من المفاهيم المركزية:

1-يجب أن أعتمد على نفسي، إذا كنت أريد الأشياء أن تُنجز بحق وكما يجب.

2-الآخرون عادة غير مبالين، وغالبًا غير مسؤولين أو غير أكْفاء.

3-من المهم أن تتقن كل شيء تفعله، أهم شيء هو الإتقان.

4-إن لم يكن لدي نظام محدد في كل شيء فكل شيء سيضطرب.

5-من الممكن أن يتسبب الخطأ البسيط في كارثة كبيرة.

6-يجب أن أكون متحكمًا تماما في مشاعري.

7-يجب على الآخرين أن يفعلوا الأشياء بنفس طريقتي في فعلها.

وسواء وجدت هذه الصفات أو بعضها فيك بالفعل أو ظننت في نفسك ذلك فإن ما تحتاجين إليه يا عزيزتي هو تغيير مجموعة من الأفكار التي تعتنقينها دون تدقيق أو فحص فكري حكيم لصحتها؛ لأن استمرارك على هذا الأسلوب في حياتك سوف يعني حرمانك من الكثير، وسوف تكتشفين في وقت ما من حياتك أن المقربين منك كزوجك فيما بعد وبوجه خاص أولادك يشتكون من انكماش مشاعرك، وعدم قدرتك على البوح بالمشاعر الحميمة، وكل هذه الأشياء قد تتسبب في جعلك عرضة للاكتئاب.

وفي النهاية أقول لك إنه إن كان الأمر مقصورًا على الصفتين اللتين قلتِهما أنت في إفادتك فإنه سيكون سهلًا بعد أن تستعيني بالله -عز وجل- ثم بأحد الأطباء النفسيين من ذوي الخبرة في العلاج المعرفي.

وأما إن كنت قد وجدت في نفسك ثلاث صفات أو أكثر مما ذكرته لك بحيث تكون هذه الصفات دائمة ولا تقبل المرونة مهما كانت الظروف، فإن دور الطبيب النفسي سيكون أصعب، ولكن رغبتك في التغير هي التي ستساعده وتساعدك بإذن الله على الوصول إلى حل وسط يسمح لك بالحياة الطبيعية دون أن تتخلي عن كل ما تتصفين به من صفات أوصلتك حتى الآن إلى التفوق، وكل ما نريده هو أن نضيف إليها صفة المرونة لكي تستطيع الحياة.

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت