فهرس الكتاب
مع النفس, هموم الدراسة
إجابة المستشار مشاركة على مشكلة:
الزواج كطموح.. والدراسة مابين الطب والحاسوب.
... المشكلة
د.فيروز عمر ... اسم الخبير
... ... الحل ...
الابنة العزيزة،
أستطيع أن أترجم رسالتك إلى سؤالين عملاقين:
السؤال الأول: هل الرغبة في الزواج"تفاهة"؟
السؤال الثاني: هل الحرية"أنانية"؟
ثم تأتي تساؤلات أخرى كثيرة تابعة لهما...
وأنا إذا أردت أن أتوقف عند السؤال الأول فسأجد سيلا من الآيات والأحاديث تشير إلى أهمية الزواج والأسرة، ولكني سأتوقف عند حديث واحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فوجدوا أنها أقل من عبادتهم، ففسروا ذلك بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يتعبد أقل منهم؛ لأن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقال أحدهم إنه يصلي الليل أبدًا، والثاني إنه يصوم الدهر ولا يفطر، والثالث إنه لا يتزوج النساء، فقال صلى الله عليه وسلم:"أنتم قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني".
وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يشير إلى أن النوم والطعام والزواج ليست أعمالا تافهة دنيئة فيكب عليها أهل الدنيا، بل هي جزء من سنته صلى الله عليه وسلم لا تقل أهمية عن السنن الأخرى، وأن من أعرض عنها واعتبرها أمورًا تافهة، فقد أعرض عن سنة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو صلى الله عليه وسلم يتبرأ منه!! ولقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم هذا المعنى؛ فنجد سيدنا"ابن مسعود"رضي الله عنه يقول:"لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام وأعلم أني أموت في آخرها، ولي طَوْل النكاح فيهن لتزوجت مخافة الفتنة".
وإذا كان الآباء يريدون أن يحكموا على بناتهم"بالرهبانية"من أجل العلم، فإن هذا لا يرضي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهو أمر مخالف للسنة النبوية بل وللفطرة الإنسانية، وهنا أنتقل للتساؤل الثاني الذي أشرت إليه في بداية حديثي وهو: هل الحرية"أنانية"؟
والحديث عن الحرية -في الحقيقة- يطول، وتتشابك عناصره!! فالحرية قد تكون أنانية أو طائشة أو مدمرة.. والحرية أيضًا قد تكون بناءة ومسئولة ونافعة لكل الأطراف..
ولكن الحقيقة التي أتصور أن البداية من عندها هي أنه:
لا بديل ولا مفر من الحرية!!
فالحرية فن يجب أن يتقنه الجميع على كل المستويات: الأسرة، المجتمع، الحكومة، العالم!!
ولن ينصلح حالنا أفرادًا وشعوبًا إلا بها..
فالإنسان إذا سُلِبت إرادته فلن يستطيع أن ينجح أو يبدع أو حتى يعيش راضيًا سعيدًا، وسيظل متخلفًا عابثًا يجلس في مقاعد المشاهدين السلبيين دائمًا، ولا يتذوق طعم أن تكون لحياته قيمة، أو أن وجوده يمثل إضافة للكون من حوله!!
ولكن السؤال الصعب هو:
ما هي الحرية المنضبطة المسئولة الواعية؟!
وألخص الإجابة في جملة واحدة أرجو ألا تكون مختصرة اختصارًا مخلا لأقول:
هي الحرية التي:
1-تأخذ بيد صاحبها للنجاح وليس مجرد اتباع الأهواء.
2-تتحمل مسئولية تجاربها، ولا تطلب من الآخرين أن يدفعوا هم ثمنها.
3-تراعي الأحكام والآداب الإسلامية ولا تتعارض معها.
وإذا طبقت هذا الكلام على حالتك أجد أن الشروط الثلاثة تنطبق عليك..
فأنت تختارين هذا المستقبل الدراسي؛ لأنك ترين أنه الأنسب لقدراتك واحتياجاتك الفطرية التي يباركها الله تعالى ولا يزدريها الدين.
وأنت تتحملين مسئولية اختيارك؛ فلن تلقي باللوم في يوم من الأيام على أحد إذا لم تحققي ما تريدين، ولن تعتمدي على أحد في نجاحك في هذا الطريق..
كما أن هذه الحرية لم تتعارض مع آداب الإسلام؛ فالله تعالى قد أمرنا"بالبر"للوالدين ولم يأمرنا بالطاعة!!
"والبر"هو أن نحسن معاملتهما ونتودد إليهما في كل حال، فإذا كانت أوامرهما في حدود طاقاتنا فلنطعهما، وإن كانت غير مناسبة لنا -لأنهم بشر ولهم وجهة نظرهم التي قد لا تكون صائبة- فلنجاهد من أجل حريتنا، ولكن بحسن المعاملة لهم والرفق بهم وعدم مناطحتهم، ومع مراعاة وتذكر أفضالهم علينا التي لن نشعر بقيمتها إلا عندما نصبح آباء وأمهات مثلهم، ونتذكر دائمًا قوله تعالى"وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا"، وقوله:"وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا".
لعلي أكون قد أجبت عليك يا ابنتي..
طلب الزواج ليس تفاهة، والحرية ليست أنانية، وعليك أن تتمسكي باختيارك مع الاستمرار في البر والإحسان وحسن المعاملة لأبيك، وأن تعوضيه بكل الوسائل حتى يرضى عنك ويسعد ويطمئن، فيبارك الله لك في الدنيا والآخرة.
ــــــــــــــــــــ