فهرس الكتاب
مع النفس, هموم الدراسة
بسم الله الرحمن الرحيم
إخوتي في الله يسعدني أن أكتب إليكم المشكلة التي أعاني منها وأعيشها وحدي كأن ليس لي أهل فأرجو أن تقبلوني أختا لكم وتساعدوني جزاكم الله عني خيرا.
البداية هي في المعدل العالي الذي من الله به علي في الثانوية فلقد كان بالنسبة لي هدفا وليس وسيلة لدخول الجامعة لأني كنت لاغية فكرة دخولها من عقلي تماما مهما حصل ولكن حلم والدي في أن أدخل كلية الطب منعني من ذلك، حاولت جاهدة في أن أجعله يتخلى عن إصراره متعللة تارة بطول الدراسة وبنظري الذي بدأ في الضعف وتارة بعدم جدوى دراسته في بلادنا والسبب الحقيقي الذي كنت أخفيه في عدم دخول هذه الكلية بالذات هو خوفي على نفسي من العنوسة.
إنني أشعر بالخجل عندما أذكر ذلك ولكن علي أن أعترف. وافق والدي على مضض وما زلت أذكر ذلك الحزن الرهيب الذي رأيته في عينيه حين أخبرني بأني حرة في اختياري، ولكن ألمه لم أره بقلبي بل بعيني الباردتين وتناسيت كل أمله في أن أحقق حلمه وأكون الدكتورة.. وتناسيت كل جوائزه وهداياه لي بعد كل سنة دراسية أتفوق فيها علها تكون حافزًا لي ولكني استمررت في أنانيتي واخترت تخصص علوم الحاسوب، وتقدمت لاختبار القبول ونجحت فيه وقبل الدراسة بيومين فقط عاد رشدي إلي وأعدت التفكير في ما مضى فأصبت بندم شديد، وأحتقر ذاتي أكثر حين أتذكر السبب الذي له حطمت حلم أبي العزيز الذي لم يبخل علي بشيء أبدًا، ألهذه الدرجة صرت تافهة ولي طموح ليس أبعد من أنفي ولم يعد يهمني شيء إلا... كرهت حينها الزواج وما زلت وقررت أن أعاقب نفسي بأن أدخل السنة القادمة تخصص الطب مهما كان الثمن حتى وإن كان القعود في بيت والدي حتى الممات المهم أن أكفر عن خطئي وأرضي ضميري وأحقق حلمه. فهل أنسحب من الدراسة هذا العام وأتفرغ لحفظ كتاب الله ومذاكرة مواد امتحان القبول أم أستمر فيها. وهل تفكيري هذا أصلًا سليم أم لا.
أرجو سرعة الرد لأننا ما زلنا في بداية العام، وبارك الله فيكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
... المشكلة
د .ليلي أحمد الأحدب ... اسم الخبير
... ... الحل ...
ابنتي..
أثني على حسن أسلوبك الذي أظهر قدرتك على التعبير عن مشكلتك، كما أثني على صراحتك مع نفسك ومعنا، وحسن الأسلوب بالطبع يدل على شخصية متوازنة، ولكن الغريب أنك قد فقدت التوازن في النظر إلى الأمور بعد حصولك على الشهادة الثانوية فاعتبرت أقصى طموح لك هو في الزواج، فهذا برأيي ما يستحق أن تؤنبي نفسك عليه وليس أنك خالفت إرادة والدك باختيار التخصص الذي يناسبك، ولست ضد الزواج المبكر بل على العكس أعلم أنه يحصن الشاب والفتاة كما أن أفضل سن للإنجاب الأول عند الفتاة هو بين العشرين والثلاثين، وعلى ذلك فإن دراسة الطب نفسها لا تمنع من الزواج فكثير من الطبيبات يستطعن أن يتزوجن بمجرد التخرج أي في عمر قريب من 25 سنة، وبذلك ينجبن المولود الأول قبل الثلاثين.
ربما سبب عدم توازنك هو النظرة الاجتماعية للطبيبة وأنها يجب أن لا تتزوج إلا طبيبا مثلها، وهذا برأيي من السخافات الاجتماعية لأن المهم أن تتزوج الكفء من الناحية الثقافية والمادية أما الشهادات فكم رأيت في حياتي حاملي شهادات ليسوا إلا كما وصف الله حملة التوراة!!
على كل حال جميل أنك تداركت خطأك وفكرت في متابعة الدراسة ويبدو أن اختيارك لدراسة علوم الحاسوب ليس لأنها اهتمامك بقدر ما هي الأسهل والأقصر لك زمنيا، وما عليك فعله في المرتبة الأولى أن تكفي عن تأنيب نفسك، فإذا كان من بر الوالد أن تحققي له رغبته فإن من برك بنفسك وبمهنة الطب تحديدا أي بمرضاك في المستقبل أن لا تدخليها إلا عن رغبة كبيرة بها حتى تؤدي هذه المهمة الإنسانية على أكمل وجه، لا أن تمتهنيها من أجل أن يقال عنك إنك طبيبة دون أن تشعري بهواها في نفسك، فكثيرا ما يدفع الأهل أولادهم وبناتهم لدراسة هذا الفرع، لأنه من كليات القمة كما تسمى في بعض البلاد العربية، بينما القمة الحقيقية هي عندما يمارس الإنسان عملا يهواه لأنه لن يستطيع أن يبدع إلا فيما يحب، أما ما كان مفروضا عليه فقد يؤديه على سبيل الواجب دون أن يترافق أداء الواجب بالشعور بالمحبة.
أنبهك إذن أن تبحثي عن فرع تجدين فيه نفسك، فمثلا أنا شخصيا أرى أسلوبك يستحق الثناء فعلا، فلو كنت ابنتي لفتحت أمامك اختيار كلية أدبية، وربما يقول قائل: إن الأدب لا يطعم الخبز، وهذا شيء حقيقي في مجتمعاتنا حيث لا تقدير للكلمة، لكن بالنسبة لواحدة مثلك فقد تكونين مبدعة في مجال الأدب أو الكتابة أو الفكر فهل فكرت في تخصص أدبي أو اجتماعي مثلا؟ ثم لماذا لا ترضين والدك فتدخلين كلية الطب وتختارين اختصاصا سهلا بها بحيث لا يمنعك عن ممارسة هوايتك في الكتابة؟ أنت لم تظهري أن لديك هذه الهواية لكنها واضحة جدا لذواقة مثلي، فأنصحك فعلا أن تنميها وتستغليها أحسن استغلال في مرضاة ربك وتطوير مجتمعك، لكن أرجو أن لا تخيبي ظن والدك ولا ظني بك فتضعي الزواج عقبة أمام أي طموح آخر، فهذا ما لا أقبله شخصيا من متفوقة، لأنني يجب أن أنبهك أن الزواج كثيرا ما يقتل أي طموح آخر، فتقتصر الفتاة بعد الزواج على الأمومة وهي لا شك مهمة كبرى بل أكثر مهمات المرأة قدسية، لكن المتفوقة تستطيع أن تكون متفوقة في أمومتها ومتفوقة في عملها ومتفوقة في هوايتها فأرجو أن تكوني بقدر طموحات التفوق، وما أجمل ذلك الشطر من الشعر:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
فاشحذي همتك وشدي من أزر نفسك وأثبتي أن نساءنا العربيات لسن أقل من الغربيات وأنهن قادرات على البروز والظهور وإثبات الذات.
إذن لك أن تختاري في إكمال ما بدأته من علوم الحاسوب أو تركه لدراسة الطب أو اختيار فرع آخر يناسبك أو أي شيء آخر ترضين به ربك ووالدك وتحققين به طموحاتك، ولا بأس أن تجعلي الزواج أحد هذه الطموحات ولكن إياك أن تجعليه في المقدمة.
ــــــــــــــــــــ