فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 14747 من 35630

* د. عبداللطيف معاليقي

ـ الدراسة التفسيرية:

إن الدراسة التفسيرية تهتم بالأسباب والعوامل التي تشكل ما يطلق عليه اسم أزمة الشباب، وتحاول أن تُرجع هذه الأسباب والعوامل إلى أسسها الاجتماعية والحضارية.

فالعوامل الاجتماعية ـ البيئية تتناول عدة جوانب تتعلق ببعض منطلقات أساسية: المنطلق الأسري، والمنطلق المدرسي، والمنطلق الطبقي ـ الاقتصادي، والمنطلق الثقافي ـ الحضاري.

أ ـ المنطلق الأسري: يستخلص من هذا المنطلق الدراسة التي تنظر إلى مكانة الشاب من الأسرة كعامل مؤثر في تكيفه، ووصف الواقع الاجتماعي للأسرة، وعلاقة الشاببأفرادها، وخصوصًا الأب، ثم التساؤل عن الأسباب التي تجعل من أزمة الشباب في بعض الأسر أخف ونطأة منها في أسر أخرى. لا شك أن مكانة الشابفي الأسرة ذات صلة بتركيب الجماعة العائلية، وبنظام العلاقات القائمة بين أفرادها، وبدرجة التسامح أو التزمت، والقبول أو الرفض. كما أن حجم الأسرة واختلاف البيئة الاجتماعية تشكل هي أيضًا عوامل أساسية في مشكلات المراهقين.

وتشدد الدراسة التفسيرية على الأبعاد السلبية الحقيقية لعلاقات المراهقين بأسرهم، والتي يمكن ارجاعها إلى عدم الثبات في العلاقة بين المراهقين وأفراد العائلة نتيجةً لتفكك الحياة الأسرية، أو لعجز الآباء خاصة، عن مواجهة مشكلات أبنائهم لانعدام الرؤية الصحيحة عندهم وعدم مراعاة البيئة والعصر أو نتيجة لظروفهم ومآزمهم النفسية.

في الماضي كان التنظيم العائلي يستند كليًا على السلطة، وبخاصة سلطة الأب التي كانت تؤلف سندًا ودعمًا وحماية واطمئنانًا يجنب المراهقين الشعور بالقلق. أما اليوم، فإن هذا التنظيم الأبوي في العائلة قد زال، خصوصًا في المجتمعات المدينية. فالتطور الاجتماعي أحدث انقلابًا في العائلة فهي قد ضاقت من ناحية، وتمزقت، من ناحية ثانية، خصوصًا في المجتمعات الصناعية. وظروف العمل بعثرت أفرادها الذين لا يتلاقون إلاّ في أوقات قصيرة جدًا. لذلك فإن سلطة الأب المطلقة لم تعد مقبولة في كثير من البيئات، إذا لم تكن قائمة على القبول والاختيار الحر والعاطفة والحب. وهذا الحب جعل الآباء يتنازلون عن سلطتهم ودورهم في التربية، فلم يعد بإمكانهم أن يكونوا النماذج الجيدة في عملية التماهي. وفي حالات أخرى يشعر الأب بخطر هذه العلاقات، فيحاول أن يسترجع السلطة المفقودة. ولكن، كما انه ليس من السهل القبول بتغير الموقف بشكل فجائي، فانه يجد نفسه مجبرًا في النهاية على فرض سلطته من طريق العنف والقساوة، فيصل إلى الشعور بعدم الرضى عن هذا التصرف، ويحاول أن يعوض عنه بمضاعفة ضعفه عاطفيًا. فنلاحظ، في النهاية سلوكًا أبويًا مترجحًا بين القساوة والحب. والنتيجة، في كلا الحالتين، خلل كامل في العلاقات بين الأب والمراهق.

ولا ننس هنا أيضًا دور الأم المركزي في هذه العلاقات العائلية. فدور الأم تغير بتغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية. فتطلع المرأة إلى العمل الاجتماعي جعلها مرهونة بدورها كأم وكربة بيت، فتشعر أن هذا الدور وهذه الوظيفة الأمومية والعائلية هما كعبودية تمنعانها من تحقيق طموحاتها في الاستقلالية والنمو الشخصي، وتعتبر نفسها ضحية قمع اجتماعي. وإذا توصلت إلى تحقيق بعض من طموحاتها، فإنها لا تجد الوقت الكافي للاعتناء بمشكلات أولادها العناية الكافية. إن هذا الوضع، ربما ساعد الشابفي الحصول على استقلالية مبكرة، ولكنها استقلالية ثمنها مرتفع نتيجة الجرح الذي يتركه عدم الاشباع العاطفي. فالمراهقون، كالأطفال، بحاجة إلى استقرار العائلة وتماسك أفرادها للتوصل إلى التوازن السليم والصحة النفسية السوية.

إضافة إلى ذلك، يعتبر تدخل العائلة في شؤون المراهقين الخاصة: في اختيار الأصدقاء، وفي انتمائاتهم الرياضية أو الترفيهية، وفي اختيار مستقبلهم من طريق فرض المهنة التي يجب أن يمتهنوها، هذا التدخل يؤدي إلى شعور المراهقين باغتصاب إرادتهم وحجز حريتهم، مما يفرض عليهم الشعور بتبخيس قيمة ذاتهم نتيجة لعدم ثقة أهلهم بهم.

وتهتم الدراسة التفسيرية الاجتماعية بالرجوع إلى عوامل أخرى أيضًا، مثل ترتيب الشابفي الأسرة: الابن الأول أو الثاني ... الولد الوحيد، ثم الاختلافُ والتمايز في بعض الأسر بين الأخوة والأخوات: تفضيل الذكر على الأنثى الذي يتولد منه شعور الصبي بالسيطرة على الفتاة، وشعور الفتاة بالحقد على الفتى. وأخيرًا الحقوق والامتيازات التي تُمنح لواحد وتحرم على الآخر.

إن جميع هذه المشكلات تشكل عوامل من نتائجها إعاقة تطور الشابالنفسي والاجتماعي.

ب ـ المنطلق المدرسي: إن المدرسة عامل من عوامل التأثير في حاجات الشابالنفسية لا يقل أهمية عن عامل الأسرة. فالمدرسة قد تهيىء للفرد الامكانيات والوسائل التي تجعله يتوجه نحو الاعتماد على ذاته وتحمل المسئوليات واحترام القوانين ومزاولة النشاطات المختلفة، من طريق الأندية المدرسية والنشاطات وقاعات المحاضرات والسينما والمسرح والمشاركة، أو على العكس، فإنها قد تضع العراقيل والعوائق والصدود أمام تطلعاته وتحفزاته الذاتية، فيشعر بالإحباط والصد والمرارة.

والمعلمون والأساتذة يلعبون دورًا أساسيًا في مساعدة المراهقين على تخطي مشكلاتهم الذاتية والاجتماعية: الأساتذة واسقاطاتهم ومعاناتهم في علاقاتهم مع المراهقين «أما أن يكون (المعلم) متفهمًا وعطوفًا ومضحيًا، أو قاسيًا عنيدًا وعنيفًا في تصرفاته لا لتقدير موضوعي منه لسلوك المراهق، بل لخلفيات لا واعية شعور بالذنب ـ الرغبة في عقاب الذات ـ الإحساس بالمرارة بسبب إخفاق أو إحساس بالغبن ... ) ... والأستاذ هو بديل عن الأب أو الأم، وباعتباره ممثلًا للسلطة، فهو عرضة لمشاعر الحب والتقدير ولانفعالات عدوانية يحملها الشاب عادة للكبار ... » .

وتتداخل أيضًا عوامل الأنظمة التعليمية والبرامج وملاءمتها مع الواقع الاجتماعي. فالمدرسة التي تتمسك بأطر التربية والتعليم البالية، وتعتمد الأساليب القديمة في التعليم تزيد مشكلات المراهقين بدلًا من الإسهام في حل صراعاتهم مع أنفسهم.

فالمدرسة يجب أن تكون المكان الصالح للإجابة عن التساؤلات والطروحات التي يطرحها المراهقون، إذ أن لهؤلاء المراهقين متطلباتهم وتطلعاتهم إزاء المواضيع التي تتعلق بحياتهم وتاريخهم ومستقبلهم. وأخيرًا فإن المشكلة الأساسية التي تثير قلق المراهقين اليوم هي مشكلة النظام التعليمي، والبرامج التي لا تؤهلهم للحياة المنتجة والعمل الملائم.

ج ـ المنطلق الطبقي ـ الاقتصادي: إن التفسير الاجتماعي لظاهرة الشباب يتوقف على شروط حياة كل طبقة اجتماعية تتأثر بدورها بالمستوى الاقتصادي. فمثلًا، يلاحظ أن اضطرابات الشباب تكون أكثر شيوعًا بين الطبقات المتوسطة، أما في الطبقات الغنية فتتميز حياة المراهقين بشيء من التكيف الاجتماعي والوصول إلى النضج المبكر.

ففي الطبقات الغنية يُحدد مستوى الطموح في أن يحصل الأبناء على النجاح لابقاء المكتسبات العائلية ضمن الأسرة الواحدة، ومحاولة المحافظة على المركز الاجتماعي. لذلك فإن الأهل، في هذه الطبقات، يشجعون الأبناء ويقدمون لهم ما يحتاجون إليه وما يساعدهم على بلوغ هذه المكانة. فيتوفر لهم بذلك الاستعداد لتجاوز أزماتهم، والوصول إلى التحرر والاستقلالية.

أما في الطبقات الفقيرة، فانه يلاحظ وفرة في الأولاد تؤدي إلى تضاعف المسئوليات الاقتصادية. يضاف إلى ذلك التربية القائمة على القسر والطاعة والعقاب مما لا يطي الشابالفرصة للنمو السريع.

والأمر المثير في هذه الطبقات هو الخجل الذي يتميز به الشابمن والديه ومن مهنة أبيه. إن هذا الأمر يعيق عملية تماهيه ويؤخرها. ثم لا شك أن تنازل الأب عن سلطته لأسباب اقتصادية تتعلق بمشكلة العمل والارهاق، وقلة الاحتكاك بالأبناء، تنتهي جميعها إلى الشعور لدى هؤلاء الأبناء بعدم الاهتمام بهم وباللامبالاة والنبذ.

وأخيرًا يظهر في الطبقات المتوسطة التأرجح بين تطلعات الطبقات الغنية ومعاناة الطبقات الفقيرة. وتتفاوت المواقف في هذه الطبقة ما بين النزعة إلى التحرر والنزعة إلى المحافظة.

فالطبقات المتوسطة هي أكثر الطبقات تأزيمًا لحياة المراهقين، وأكثرها قلقًا إزاء بلوغ أبنائها. فكثيرًا ما تتمسك هذه الطبقات بالتقاليد والعادات وتشدد من الرقابة خوفًا مما يقوله الناس.

وتشجع الطبقات المتوسطة أبناءها لإكمال دراستهم، وعادة ما تكون أهداف المراهقين فيها الالتحاق بالوظائف الحكومية والتدريس، وتمارس أحيانًا ضغطًا على أبنائها للتحصيل المدرسي يبلغ حدًا يفوق أحيانًا ما تبذله الطبقات العليا وعلى عكس الطبقات الفقيرة التي غالبًا ما تدفع، بطريقة مباشرة، أبناءها إلى ترك الدراسة ليجدوا لأنفسهم عملًا والحصول على المال والمركز الاجتماعي بسرعة، وأحيانًا الزواج المبكر، فينتقلون إلى حياة الرشد انتقالًا سريعًا.

د ـ المنطلق الثقافي ـ الحضاري: قدم هذا التفسير علماء «الانتربولوجيا» من خلال دراساتهم المقارنة بين الشعوب البدائية والشعوب المتحضرة. فتوصلوا إلى استنتاجات مفادها أن ما يصيب الشابمن اضطراب في اتزان شخصيته يعقبه ازدياد في توتراته، بحيث تصبح معرضة للانفجارات الانفعالية واختلال علاقاتها الاجتماعية بأعضاء الأسرة، ترجع في أساسها إلى أسباب ثقافية ـ حضارية.

من أبرز الانتربولوجيين الذين اهتموا بدراسة هذه العوامل نذكر «روث بنديكت» خصوصًا في كتابها: «نماذج حضارية» و «مارغريت ميد» . تنطلق هذه الدراسات من التأكيد أن ليس هناك نموذج واحد للمراهقة بل هناك نماذج متنوعة بتنوع البيئة والمستوى الحضاري: فهناك الشباب الهادئة والمتزنة في المجتمعات البدائية، والشباب في حضارات العصر الحالي حيث يسود القلق والتنافس والسرعة، فيشب الكائن ليجد نفسه في دوامة الآفاق المتعددة والمحيرة: أي طريق يختار، وأي قيم ومعايير يتبع؟

إن «ميد» في دراستها عن «الجنس والمزاج في مجتمعات أولية ثلاثة» . و «الشباب في الساموا» حاولت أن تعطينا صورة عن بعض أنماط التربية وأساليبها في مجتمعات مختلفة، وتأثيرها في تشكل شخصية المراهق. ومن خلال دراساتها لتلك المجتمعات، حاولت أن تصل إلى إجابات عن تساؤلات مهمة: ما هي طبيعة الشباب، وهل المشكلات والاضطرابات التي تواجه المراهقين تنجم عن طبيعة هذه المرحلة نفسها، أم تسببها طبيعة المدنية؟ وهل تختلف صور الشباب وأوضاعها باختلاف الظروف التي تحيط بالأفراد، أي باختلاف المجتمعات؟

للإجابة عن هذه التساؤلات، قامت «ميد» بدراسات ميدانية لمجتمعات تختلف في نمط حياتها وأساليب التربية والعلاقات السائدة فيها. وتوصلت، في النهاية، إلى نتائج تبيّن أن شخصية المراهقين تتأثر بالنظام العلائقي الذي يقوم بين الكائن وأفراد العائلة، بخاصة الأم في أثناء مرحلة الطفولة. وبالتالي، فإن اختلاف التربية في نماذج المجتمعات البدائية التي قامت بدراستها عن التربية في المجتمعات الحديثة ينعكس على مرحلة الشباب.

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت