فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 16481 من 35630

دائرة معارف الأسرة المسلمة

الزواج والطلاق عام

جمع وإعداد

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

الشيء الذي تخجل العروس من طلبه.. !!

لو سألت معظم الزوجات ممن لهن خبرة في عالم الزوجية..

ما هو أكثر شيء كنت تخجلين من أن تطلبيه من زوجك في بداية حياتكما معًا.. لقالت بلا تردد..

''الفلوس''!!

نعم..

هذه مشكلة الكثيرات من العرائس الجدد.. إنهن يشعرن بالحرج من طلب النفقة من الزوج في بداية الحياة الزوجية.. لأنهن لم يتعودن على ذلك..

ويشعرن وكأنهن يطلبن إحسانًا أو صدقة من رجل غريب!!

والمشكلة أن معظم الرجال لا يشعرون بذلك.. ولا يبادرون بتقديم المال لزوجاتهم ما لم تطلب مهما كان ذلك الزوج سخيًا وكريمًا.. والسبب بكل بساطة أنه هو أيضًا لم يتعود على ذلك من قبل!

ويعتقد أنها لو أرادت فستطلب ببساطة!..

تقول صفية:

حين تزوجت وسافرت لشهر العسل.. شعرت بالحرج لأنني لم أستطع أن أطلب منه مالًا لشراء هدايا لوالدي وأهلي.. حاولت عدة مرات التلميح له دون جدوى.. ولم أستطع مواجهته بما أريد..

وحين عدت شعر أهلي بخيبة أمل كبيرة وتساءلوا ما إذا كان زوجي بخيلًا؟.. لكنه لم يظهر لي كذلك فقد كان يغدق علي الهدايا الفاخرة.. ولم يقصر علي بشيء بل ربما كان مبذرًا..

وبعد إلحاح من أمي وبعد ثلاثة أشهر بالتمام.. استطعت أخيرًا أن أنطق وأطلب منه مالًا لأني سأخرج للسوق فإذا به يمد يده إلي بمبلغ جيد دون أن يسأل أو يستفسر.. ومن يومها كسرت الحاجز ولله الحمد..

أما عالية فتقول:

تصوروا أني كنت أدعى لمناسبات كثيرة بعد زواجي مباشرة، وغالبًا ما تكون من أجلي، وأحتاج أحيانًا لتصفيف شعري لدى الكوافيره، فلا أجد معي المال وأخجل من طلبه من زوجي.. فأطلب من أمي..

وكانت تغضب مني وتأمرني أن أطلب من زوجي لكني كنت أرجوها أن تتحملني لأني أستحي منه..

وأذكر أني نمت عدة ليال وأنا أبكي لأني محتاجة للمال وأخجل من طلبه منه وهو لم يكن يشعر أبدًا بذلك..

وبعد فترة أخبرت أمي والدته، فأخبرته بدورها، فجاء إلي مستغربًا وهو يقول لماذا لم تخبريني؟؟

وناولني مالًا بكل سخاء وطيبة..

وفي المقابل فإن سجى كان لها تصرف آخر..

لم أشعر بأي خجل من هذا الأمر، على العكس منذ سفرنا في شهر العسل كنت أشتري كل ما أريده وأتركه يدفع، حتى أني اشتريت فستانًا وتركته يدفع وخرجت من المحل دون أن أعرف سعر الفستان فإذا بزوجي يفاجأ بأن قيمته وصلت لعشرة آلاف ريال.. وبسبب خجله مني دفع الثمن على مضض! ولم يخبرني بذلك إلا فيما بعد..

والآن زوجي يصارحني بأنه كان يستغرب من مدى إسرافي وجرأتي في تلك الفترة رغم أني كنت لا أزال عروسًا.. أي المفروض أن أستحي منه.. لكني لا أرى في ذلك حرجًا!!

والآن دعونا من صفية وعالية وسجى ودعونا

نرى ما هو الوضع الصحيح والأفضل لكلا الزوجين.. ؟

من الأفضل أن تكون مسألة النفقة واضحة جدًا بين الزوجين منذ بداية حياتهما الزوجية، وعلى الزوجة أن تعرف أنها لا تطالب بصدقة أو إحسان بل بحق من حقوقها.. لكن في نفس الوقت عليها مراعاة وضع زوجها المادي، وعدم الإسراف والإثقال عليه، وكما أن من الأجمل لها أن تتميز بغلالة من الحياء تمنعها من مطالبته بما يفوق طاقته.. ويمكن لها في أول أيام زواجها أن تأخذ معها احتياطًا مبلغًا من المال (بالطبع توفره من مهرها أو غيره) للأيام الأولى لعلها تحتاج لشيء ما أو شراء شيء خاص.. لكن بالطبع هذا لا يعني أن تستمر في الدفع من مالها أو مال أهلها..

بل يمكنها بكل بساطة أن تطلب من زوجها مباشرة ما تريده من المال موضحة له السبب..

فالرجال لا ينفع معهم ''حركات'' النساء.. من تلميح أو ''زعل'' وغيره..

أيتها العروس.. مهما كان الزوج كريمًا وطيبًا ومحبًا.. فعليك أن تطلبي منه نفقتك بصراحة وبساطة..

المرجع: مجلة حياة العدد 74 جمادى الآخر 1427هـ

ـــــــــــــ

النكاح وعوائقه

الشيخ محمد بن عبد الله الهبدان

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدهُ ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهديهِ اللهُ فلا مُضل له، ومن يُظلل فلا هادي له.

وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- تسلميًا كثيرًا.

أيُّها المسلمون:

لقد أقامَ الإسلامُ بناءَ الأسرةِ على دعائمَ ثابتةٍ، وأسسٍ مُتقنةٍ، من الخُلقِ الرضي، والسلوكِ النقي، والدينِ الخالص، والمصلحةِ العامةِ للأمةِ، والنفعِ المحققِ لكلِّ فردٍ من أفرادِ المجتمع، فهاهُو الإسلامُ يندُبُ الناسَ إلى الزواجِ، ويجعلُهُ من سُنِنهِ، ويُحذِرُ من الرغبةِ عنهُ أعظمَ تحذير، بل وصلَ الأمرُ إلى أن يجعَلَهُ علماءُ الإسلامِ من الضروراتِ الخمس، التي جاءتِ الأديانُ لتحقيقها، تحتَ ضرُورةِ حفظِ النسل، قال - تعالى: (( وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ) [32: النور] .

ويقولُ اللهُ - عز وجل - في معرضِ وصفِ الرسلِ ومدحِهم، بأنَّ لُهم أزواجًا وذرية: (( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا ) ) [38: الرعد] .

وأثنى اللهُ - تعالى - على عبادهِ الصالحينَ حين قالوا: (( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) ) [74: الفرقان] .

ويقولُ- عليه الصلاة والسلام: (( يا معشرَ الشبابُ من استطاعَ منكم الباءةَ فليتزوج، فإنَّهُ أغض للبصر، وأحصن للفرج ) )الحديث رواهُ البخاري ومسلم.

أيُّها المسلمون: إنَّ هذا الموقف - أعني الحضُّ على الزواج - يُحقِقُ غرضينِ جليلين:

أما أولهما:

فهو مُسَايَرَةُ الفطرةِ الإنسانيةِ التي فطرَ اللهُ الخلقَ عليها، وتصعيدُ الغريزةِ على وجهٍ يُحقِقُ الخيرَ والفضيلة، بل إنَّ الإسلامَ ليعدُّ ممارسةَ العملِ الغريزي في نطاقِ الحلالِ المشروعِ صدقة، يستحقُّ صاحِبها الثواب، لأنَّهُ امتثلَ أمرَ اللهِ في التزامِ الحلالِ والوقوفِ عندَ حُدودَ اللهِ، قال - صلى الله عليه وسلم: (( وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوتَهُ ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ) )رواه البخاري ومسلم.

وأما ثانيهما:

فهو استمرارُ وجودِ الجنسِ البشري على ظهرِ هذهِ الأرض، حتى يأذنَ اللهُ بأمرٍ آخر، إنَّ الحياةَ البشرية لا يتحققُ فيها الوفاءُ إن لم تستمرَّ الأجيالُ في عمليةِ عمارةِ الأرض، وتحقيقِ الخلافةِ، بل إنَّها تكادُ تفقدُ قيمتها عندما يحسُّ المرءُ أنَّهُ نبتةً وحيدةً لا امتدادَ لها في هذا الوجود، من أجلِّ ذلكَ كُلِّهِ كان الزواجُ من سُنةِ المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، قال - صلى الله عليه وسلم: (( من رغب عن سنتي فليس مني ) )رواهُ البخاري ومسلم.

أيُّها الأخوةُ في الله:

وإذا نظرنا في واقعنا وجدَنا مُعوقاتٍ عدَّة، تصدُّ الشبابَ عن الزواجِ لعلَّ من أهمِهَا وأبرزِها المغالاةُ في المهور، هذهِ المغالاةُ التي بلغت حدًا لا يُطاق، وبالنسبةِ لشبابٍ ناشئينَ، فترى بعضُهم إذا خطبَ إليهِ رجلٌ ابنتهُ أخذ يُحدُ شفرتهِ، ليفصلَ ما بينَ لحمهِ وعظمه،

فإذا قطعَ منهُ اللحم، وهشَمَ العظمَ، وأخذَ منهُ كلَّ ما يَملك، سَلَمَها له، وهو في حالةِ بؤسٍ شديدين، مُثقلًا بأوزارِ الديون، التي تُكدِرُ عليهِ صفوهُ، وتجلبُ هُمَهُ وغمَّه، فتذلَهُ بالنهار، وتقضُّ مضجعهُ بالليل، ويغلي بنَارِها قلبه، إنَّ الزواجَ أصبحَ بالنسبةِ إلى الشابِ الناشئِ ضربًا من المستحيل، ولقد أثَّر هذا الوضعُ أثرًا سيئًا في المجتمع، إذ جعلَ نسبةَ العوانسِ ترتفعُ، وجعلَ الفسادَ ينتشر، والانحلالَ يتفاقم، وانصرفُ الكثيرُ من الشبابِ عن الزواج، ولذا غضبَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - من كثرةِ المهرِ، فقد جاءَ رجلٌ من الصحابةِ يستعينه، فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: (( على كم تزوجتها؟ قال: على أربعِ أواقٍ، فقالَ لَهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم: على أربعِ أواق؟ كأنَّما تَنحِتُونَ الفضةَ من عَرْضِ هذا الجبلِ، مَا عندنَا ما نُعطِيك ) )الحديث رواه مسلم.

وهذا عُمرُ الفاروقِ يُدركُ بثاقبِ نظرهِ ما يُمكنُ أن يُهددَ المجتمعُ من المَخاطرِ والشرورِ بسببِ المغالاةِ في المهور، فلقد جاءَ عنه أنَّهُ قال: (( ألا لا تغالوا صدُقات النساء فإنَّها لو كانت مكرمةً في الدنيا، أو تقوى عندَ اللهِ لكانَ أولاكُم بها نبيُّ الله، ما علمنَا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - نكحَ شيئًا من نسائهِ ولا أنكحَ شيئًا من بناتِهِ على أكثرِ من اثنتي عشرةَ أوقية ) )رواه الترمذي وقال حسن صحيح،.

قال شيخُ الإسلامِ- رحمه الله: والمستحبُ في الصداقِ - مع القُدرةِ واليسار - أن لا يزيدَ على مهرِ أزواجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ولا بناتِهِ، وكانَ ما بينَ أربعمائةِ إلى خمسمائة، بالدرَاهِمِ الخالصةِ، نحوًا من تسعةَ عشرَ دينارًا، فهذهِ سُنةُ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، من فعلَ فقد استنَّ بسنةِ رسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الصداقِ، قال أبو هريرةَ - رضي الله عنه: (كانَ صداقُنا إذ كانَ فينا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عشرَ أواق، وطبقَ بيديهِ، وذلكَ أربعمائة درهم، إلى أن قالَ:(فمن دعتهُ نفسُهُ إلى أن يزيدَ صداقَ ابنتهِ على صداقِ بناتِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - اللواتِي هُنَّ خيرُ خلقِ اللهِ في كُلِّ فضيلة، وهُنَّ أفضلُ نساءِ العالمينَ في كلِّ صفةٍ، فهُو جَاهِلٌ أحمق، وكذلكَ صداقُ أُمهات المُؤمنينَ، وهذا مع القدرةِ واليسار، فأمَّا الفقيرُ ونحوهُ فلا ينبغي لهُ أن يُصدق المرأةَ إلاَّ ما يقدِرُ على وفائهِ من غَيرِ مشقة) أ هـ

ولو نظرنا أيُّها المُسلمُونَ في الواقعِ العملي للمسلمينَ في عهدِ السلفِ، لوجدنا أنَّ الأمرَ أيسرَ بكثيرٍ ممَّا هُو موجودٌ الآن، فقد تَزوجَ عبدُ الرحمن بن عوفٍ على وزنِ نواةٍ من ذهب، قالوا ووزنها ثلاثةُ دَراهمَ وثُلث، وهذا سعيدُ بن المسيب- رحمه الله - يُزوجُ ابنتهُ على دِرهَمَين، وهيَ من أفضلِ بناتِ قُريشٍ بعدَ أن خَطَبها الخليفةُ لابنهِ، فأبى أن يُزوِجَها به، وهذهِ أمُّ سُليم، جعلت مَهرها أسلام أبِّي طلحة، فزوجَها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على ما شرطت.

هكذا كانت سيرةُ السلفِ الصالحِ y في شأنِ المهرِ، ولا يظنُ ظانٌ أنَّ ذلكَ كانَ من أجلِ شَظفِ العيشِ وقلةِ ذاتَ اليد، فقد كانَ كثيرٌ من الصحابةِ من الأثرياءِ، فهذا أَبو بكر - رضي الله عنه - من أتجرِ قُريشٍ كما تقُولُ عائشةَ، وهذا عُثمانَ - رضي الله عنه - يتصدقُ في مجلسٍ واحدٍ بثلاثِ مائةَ بعير، بأحلاسها وأقتابها، وكانت تركتهُ - رضي الله عنه - كما قالَ الحافظُ ابن سعد: ثلاثونَ ألف ألفَ درهم، وخمسُمائةَ ألفَ دِرهمَ وخُمسُونَ ألفَ دِينار، وتركَ ألفَ بعيرٍ، وتركَ صدقاتٍ تصدقَ بها قِيمتَهُ مائتي ألفَ دِينار، وهذا طلحةَ بن عُبيد اللهِ - رضي الله عنه - تركَ كما قالَ والدُهُ محمد ألفي ألف دِرهم، ومائتي ألفَ درهم، ومائتي ألفَ دينار، وهذا الزُبيرُ بن العوام - رضي الله عنه - تركَ خمسةً وثلاثُونَ ألفَ ألفَ، ومائتا ألف، أي ما يزيدُ على الخمسينَ مليون، وغيرِهم كثير، ولكن هُو الامتثالُ والانقيادُ لأمرِ نبيِّهم محمد - صلى الله عليه وسلم -.

وليعلمَ الآباءُ الذين يرونَ أنَّ رفعَ المُهُورِ ضمانًا لبناتهم، أنَّ الذي يكرَهُ زوجَتَهُ ويريدُ طلاقَها لا يُمكِنُ أن تقفَ في وجهِهِ مُشكلةَ المال، بل على النقيضِ من ذلكَ، فلَرُبما أبغضَ الرجلُ زوجتهُ فضارَّها حتى تفدي نفسَها منهُ، فلا تستطيعُ إلى ذلكَ سبيلًا، فتبقى المِسكِينَةُ تحتَ وطأةِ ذلكَ الرجلُ واضطهاده.

فاتقوا اللهَ يا مُسلِمُون: واعلموا أنَّكُم مَوقُفُونَ في يومٍ مهُول، ومسئولون عَمَّا استرعيتم من الأمَانة، فأعدُّوا للسؤالِ جوابًا، وللجوابِ صوابا.

أيُّها المُسلمون: وعقبةٌ أُخرى، تلكَ التكاليفُ التي ابتدعَها حفنةٌ من الناسِ، وتمالئُوا بها، حتى أثقلت كاهلَ الزوج، ونفرت من الزواجِ، ذلكَ الإسرافُ المُهين، والتبذيرُ الرهيب، في شِراءِ الأقمشةِ المُرتفعَةِ الأثمان، وأدواتِ التجميلِ الباهظةِ الأسعار، والمُبالغةِ الضَخمةِ في تأثيثِ قفصِ الزوجية، ناهيكَ عن إقامةِ الولائمِ في الفنادقِ وغيرها؟ ولنا أن نتساءَل: من المستفيدُ من هذا كُلهِ يا مُسلِمُون؟ إنَّها أموالٌ تذهبُ هَدرًا، وتُضاعُ سُدى، وتكونُ حَجرَ عثرةٍ لشبابنا، ولقد كانَ أمرُ الزواجِ أيسرَ بكثير، ولكنَّ الناسَ أنفُسَهُم يظلمُون، فقد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - على عبد الرحمن بن عوفٍ ردع زعفران، فقال: (( مهيم؟ قال يا رسولَ الله تزوجتُ امرأةً، قال ما أصدقتَها؟ قال وزنَ نواةٍ من ذهب، قال فباركَ اللهُ لك، أولم ولو بِشَاة ) )رواه البخاري ومسلم، وقالت عائشة: (( أولمَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على بعضِ نسائهِ بِمُدَين من شعير ) )رواه البخاري.

فهذا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أكرمُ البشريةِ وأزكى البريةِ هذه أقواله، وهذهِ أفعاله، فلماذا نضربُ بها عرضَ الحائطِ ونستمعُ لثرثةِ فلانٍ وعلان، هذا عارٌ وهذا شنار، كيفَ تُزوج ابنتكَ ولم تضع لها حفلةً تُكتبُ في التاريخ، أهيَ أقلُ من غيرها، فإلى أولئكَ البائسينَ نُذكِرِهُم بقولِ الله - تعالى: (( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ) (سورة النور: 63) .

ألا فليتقِ اللهَ أولئكَ ويعُودُوا إلى رُشدِهم، ويتمسكوا بسنةِ نبيهم، فبها النجاةُ والله، والسلامةُ والعافية.

عباد الله: وعقبةً أُخرى، تلكَ التي يُردِدُها أربابُ الأفكارِ المُسمَومة، الذين ينفُثُونَ سُمُومَهم عبرَ قَنواتٍ مُتعددة، يُقرِرُونَ من خِلالِها أنَّ التبكيرَ في الزواجِ عملٌ غيرُ صالح، وضربٌ من التغريرِ بالمُراهقين، وما عَلِمَ هؤلاءِ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ألجمَهُم بقوله: (( يا معشرَ الشبابَ من استطاعَ منكم الباءةَ فليتزوج، فإنَّهُ أغضُّ للبصرِ، وأحصنُ للفرج، ومن لم يستطيع فعليهِ بالصومِ فإنَّهُ لهُ وجاء ) )رواهُ البخاري ومسلم.

خطابٌ عظيم، يُوجِهُهُ صاحبَ الشريعةِ، الخبيرُ بأحوالِ أُمته، العليمُ بطبَائعهم المختلفة، إي الشباب، يُرشِدُهُم فيهِ، ويعِظُهم إلى فضيلةِ النكاحِ الذي يقعُ بهِ غضُّ البصرِ، وحفظُ الفرجِ، فهل يفقهُ هذا التوجيهُ النبويُّ الكريمِ الذينَ اغتروا بتلكَ العباراتِ الرنانة، والدعايةِ الباطلةِ في دعوى تأخيرِ الزواجِ، أسأل الله ذلك.

ومن تلك العقباتِ التي تحدُّ من الزواجِ، الاحتجاجُ بفقرِ الزوجِ وعدمِ استلامهِ لوظيفة، فإلى أولئكَ نُوجِهُ لهم قولَ اللهِ - تعالى: (( إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ) (سورة النور: 32) .

روى عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنَّهُ قال: (( أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاحِ يُنجز لكم ما وعدَكم من الغنى.

قال - تعالى: (( إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ) ).

وروى الإمامُ أحمد في مسندهِ عن أبي هريرةَ - رضي الله عنه - قال قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: (( ثلاثةٌ حقٌّ على اللهِ عونُهم: الناكحُ يُريدُ العفاف ) ).

الحديثُ هذا هُو منطقُ الإيمانِ وليسَ ما يسُودُ اليومَ في بعضِ الأوساطِ من المُنطلقِ المادي، الذي يحكُمُ تصرفاتِ الناسِ بعيدًا عن التوكلِ على اللهِ والاعتمادِ عليه، وقد نسيَ هؤلاءِ أنَّ اللهَ هُو الرزاقُ ذُو القُوةِ المتين، وأنَّ كثيرًا من الأغنياءِ كانُوا بالأمسِ القريبِ فُقراءَ لا يملِكُونَ نقيرًا ولا قطميرًا.

بارك الله لي ولكم

الخطبة الثانية

أيُّها المسلمون:

وإذا تأملتَ في واقعِ بعضِ المُعرضِينَ عن الزواجِ تلحظُ أنَّهم يتحجَجُونَ بحججٍ داحضةٍ، تتساقطُ تدريجيًا وبتلقائيةٍ تامةٍ قبلَ أن يُسقطَها النقدُ والتمحيص، فبعضُ أُولئكَ الذين يَدعُونَ عدم استطاعَتهم للزواجِ لما فيهِ من تكاليفَ ماديةً، يُكذِبُونَ أنفسَهم بأنفسهم، عبرَ سَفرَاتِهم المُتكررةِ إلى خارجِ البلاد، ليتمتعُوا بالحُريَّةِ البهيميةِ في بلادٍ كافرة، لا تحلُ حلالًا ولا تُحرمُ حرامًا، أو بالأصحِ تُحلُ الحرامَ، وتُحرمُ الحلال، أو في بلادٍ تُشابِهُ بلادَ الكفرةِ في إباحةِ الزنا، والدعوةِ إليهِ وحراسَتِهِ وتنظيمه، وإنَّكَ لتراهُ مجيبًا للسفر، مُنفقًا على المُومِساتِ إنفاقًا كبيرًا، مع تقتيرهِ على نفسهِ وأهلهِ إذا عادَ إلى بلادهِ لأجلِ جمعِ المالِ والعَودةِ بهِ إلى الخارجِ مرةً أُخرى.

وأنتَ ترى بعضَ الذين يتحجَجُونَ بتكاليفَ الزواج، تراهُم يركبُونَ السياراتِ الفاخرة، بل وغيرَ الفاخرةِ، لا يعملون، ولا هَمَّ لهم إلاَّ مُطاردةِ النساءِ في الأسواقِ، لم ذلكَ كُلَّهُ؟ لأجلِ الشهوةِ، فكيفَ يمنعُ نفسَهُ عن الزواج؟ يقولُ: لا أستطيع، إنَّ المهورَ غاليةً؟ كلمةُ حقٍّ أُريدَ بها باطل؟ أين أنت؟ أين عملُك؟ أم تريدُ أن تُعطى المرأة لك على طبقٍ من ذهب، وأنتَ مُتكلٌ على أبيكَ، تنامُ النهار، وتسهرُ الليل، وتقولُ: زَوجُوني زوجوني، أو اترُكُوا لي الحبلَ على الغارب، أُعَاكِسُ النساءَ في الأسواق، وأسعى للحُصولِ منهنَّ على موعد.

ألا فليتقِ اللهَ أولئكَ وليخشوا غضبَ الجبارِ ونكاله، وجحِيمهِ وناره، وكفى سفاهةً ومُراهقةً، فالعمرُ قصير، والحسابُ عسير، والموقفُ مهول، أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيم: (( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) ).

هذا وصلُوا رحمَكُم اللهُ على أفضلِ الخلقِ كَما أمرَكُمُ اللهُ بذلك.

29/5/1426 هـ

ـــــــــــــ

عزوف الشباب عن الزواج

الشيخ محمد بن عبد الله الهبدان

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدهُ ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهديهِ اللهُ فلا مُضل له، ومن يُظلل فلا هادي له.

وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - تسلميًا كثيرًا.

عباد الله:

إنَّ في البلادِ المسلمةِ اليومَ، مشكلةً من أعضلِ المشاكل، وأعمقها أثرًا في حياةِ الأمةِ المسلمة، أنَّها مشكلةُ عزوفِ الشبابِ عن الزواج، والتي تتلخصُ في كلماتٍ، وهي أنَّ في المسلمينَ آلافًا مؤلفةً من البناتِ في سنِّ الزواج، لا يجدنَ الخاطب، وآلافًا مُؤلفةً من الشبابِ لا يُريدُونَ الزواجَ أو لا يجِدُون البناتِ هذه المشكلةَ الظاهرة، إن لم يتنبه إليها المُسلمون، ويفتحُوا لها طرقَ العلاجِ بالحلالِ، فإنَّهُ لن يجدَ الشبابُ للوصولِ إلى حاجاتهم الغريزيةِ إلاَّ سلوكَ طريقِ الحرام، لأنَّ من النتائجِ الحتميةِ الظهور، والتي لا يُنكِرها عاقلٌ مسلم، إنَّ الفسادَ الخُلقي سببٌ في قلةِ الزواج، وقلةِ الزواجِ سببٌ في الفسادِ الخلقي.

عباد الله:

مشكلةَ عُزوفِ الشبابِ عن الزواجِ ما هيَ أسبابهُ وأضراره.

إنَّ من أسبابِ عُزوفِ الشبابِ عن الزواجِ تلك العاداتَ الشنيعةِ التي القصدُ منها الفخرُ والخيلاء، والتسابقُ إلى التبذيرِ والإسراف، ولو سُئلَ كثيرٌ من العزابِ اليومَ ما منعكم من الزواج؟ لكانَ جوابُ الكثيرِ منهم في صوتٍ واحدٍ غلاءُ المهورِ غلاءُ المهور، لقد صارَ بعضُ الناسِ الآنَ يزيدُ في تطويرِ هذا الأمرِ ويدخلُ في المهرِ أشياءَ جديدة، تزيد الأمرَ كُلفَةً ومشقة، حتى أصبحَ المهرُ في الوقتِ الحاضرِ مما يتعسرُ أو يتعذرُ على الكثيرِ من الناس، فتجدُ الشابَ يُتعِبُ نفسهُ في عنفوانِ شبابه، ولا يكادُ يُدرِكُ ما يحصلُ به المرأة التي تحصنهُ، كل هذا بسببِ هذا التصاعدِ الذي لا داعيَ لهُ في المهورِ، جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ فقال إنِّي تزوجتُ امرأةً من الأنصار، فقال له النبي: على كم تزوجتها؟ قال على أربع أواقٍ (( يعني مائةً وستينَ درهما"فقال له النبيُّ على أربعٍ أواق!! كأنَّما تَنحتُونَ الفضةَ من عُرْض الجبل ما عندنا ما نعطيك ) )رواه مسلم."

وقال عمر: (( لا تُغْلوا صُدُق النساءِ، فإنَّها لو كانت مكرُمةً في الدنيا أو تقوى في الآخرةِ، كانَ أولاكُم بها النبي ) )رواه الخمسة وصححه الترمذي

فيا أيُّها الأبُ المبارك:

لقد رضيتَ بالله ربًا وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ نبيًا، وإنَّ من دين الإسلامِ وشريعةِ ربنا، ومنهجِ نبينا التيسيرَ في المهورِ، هاهو ذا- صلى الله عليه وسلم - يقول: (( أعظمُ النكاحِ بركةً أيسرُهُ مؤنة ) ).

فإن كنتَ صادقًا في دعواكَ فهات برهان ذلك بالإتباع!؟

وسببٌ آخر للمشكلةِ وهو التعذرُ بمواصلةِ الدراسة، إنَّ الكثيرَ من الشبابِ لا يرغبُونَ في الزواجِ بحجةِ أنَّ الزواجَ يحولُ بينهم وبين مواصلةِ الدراسة، وهذهِ حجةٌ داحضة، بل الصحيحُ العكس، لأنَّهُ ما دام أنَّ الزواجَ تحصلُ به مزايا كثيرة، منها السكونُ والطمأنينةُ وراحةُ البال، وقُرةُ العين، فهذا مما يساعدُ الطالب على التحصيل، لأنَّهُ إذا ارتاحت نفسُهُ وصفا فكرهُ وهدأ بالُهُ، ساعدَ ذلكَ التحصيلُ العلمي لدى الطالب، أمَّا عدمُ الزواجِ فإنِّهُ في الحقيقةِ هو الذي يحولُ بينهُ وبينَ من يُرِيدُ التفوقَ العلمي، لأنَّهُ مشوشُ الفكر، مضطربُ الضمير، قلقُ النفس، إن فتحَ كتابًا ليقرأ بدأ يقرأ في بحرِ أفكارهِ وخطرا تهِ وهوا جيسه.

سببٌ ثالث: وهُو ما يُردِدُهُ بعضُ أربابِ الأفكارِ اللقيطة، الذينَ ينفثُونَ سُمُومَهم عبرَ قنواتٍ مُتعددة، كالمقالاتِ والقصصِ الأدبية، والمسلسلات التلفازية، التي يُقررون من خلالِها مُشكلاتِ الزواجِ وسلبياتهِ التي يزعمون. فالشابُ إذا قرأ أو شاهدَ مثل هذه الأخبارُ والمشاهد، لسانُ حالهِ يقول: لماذا أقحمُ نفسي في مثلِ هذا؟ أنا غنيٌّ عن ذلك؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت