فهرس الكتاب
لكننا نقولُ: إنَّ للزواجِ مزايا وحسناتٍ ترجح على ما ذكروهُ من مشاكلٍ وسلبيات، وليس في الدنيا شيءٌ إلاَّ ويقابلهُ شيءٌ، نحنُ لا نقولُ إنَّ الزواجَ لا مشاكل فيه كلا، فهذا بيتُ خير الخلق وصفوةُ الأمة- صلى الله عليه وسلم - لم يخلو بيتهُ من ذلك، ولو كانت الدنيا تصفُو لأحدٍ لصفت لأنبيائهِ ورسله، لكن في الزواجِ مصالحَ ومنا فعَ ترجحُ على هذهِ المشاكلِ والسلبيات، وبالتالي تُنسيها.
أين هؤلاءِ الذين أغفلوا منافعَ الزواج ومصالحهِ عندما يعودُ الإنسانُ إلى بيتهِ وهو مثقلُ الجسمِ من التعبِ والنصب، ويستقبلهُ أهلهُ باستقبالٍ كُلَّهُ فرحٌ واستبشارٌ بقدومه، فينسى الإنسانُ تعبهُ ونصبه، أينَ هُم من سُرورِ القلبِ، وفرحَ النفس؟ أينَ هُم من تحصينِ الفرجِ وقضاءِ الوطرِ وحمايةَ العرض، هل اغفلُوا ذلك كلهُ وغيرهُ كثيرٌ من أجلِ مُشكلةٍ تزولُ في يومها، فليعتبر المؤمنُ من ذلكَ، والتجربةُ خيرُ برهان.
وسببٌ رابع: وهُو عدمُ الرغبةِ في تحملِ المسؤولية: يعزفُ بعضُ الشبابِ عن الزواجِ لأنَّهُ مسؤوليةٌ عظيمة، وارتباطٌ وقيد، نعم إنَّ الزواجَ مسؤوليةً لابدَّ من مُراعاتها، وكيانٌ لابدَّ من تلبيةِ رغباته، كما أنَّهُ ارتباطٌ لكنهُ ارتباطٌ من نوعٍ آخر، ارتباطٌ يشعرُ الإنسانُ من خلالهِ بأنَّ لهُ سكنٌ يسكنُ إليه، وبيتٌ يتوددُ إليه، يجدُ فيه الأنس والألفة، يجدُ فيه الاستقرارَ والسكينة، يجدُ فيه الأبناءَ والأحفاد، يجدُ فيه الطاعةَ والإتباعَ وغيرُ ذلك، أضف إليها أنَّهُ قُربةٌ وأجر، قربةٌ إذا أراد الإنسانُ به إحصانَ فرجهِ عن مُحرماتِ الله، وأجرٍ إذا وضعَ نطفتهُ فيما أحلهُ الله.
أيُّها الشاب:
قارن بينَ هذا الذي تحملَ المسؤوليةَ لكن وجدَ لهذه المسؤوليةَ لذةٌ وسعادة، مع ذلك الذي لا زوجةَ له ولا ولد، فرارًا من المسؤولية، إنَّ رحمتهُ بالناسِ مفقودة، وشفقتهُ عليهم غيرَ موجودة، لا يهمَهُ إلاَّ بطنهُ وظهره، ولا يجمعُ من المالِ إلاَّ ما يكفيهِ لحياته، هو عالةٌ على أهلهِ في صغره، وغيرَ مأمولٍ في كبره، إذا طالَ عُمرهُ فغيرَ مُلتفتٍ إليه، وإذا ماتَ فغيرَ مبكيٍّ عليه! كيفَ به إذا اشتعلَ الرأسُ شيبًا، وبلغَ من العُمرِ عتيًا، فمن يُعينَهُ ويقضي حوائجهُ، لا تغتر الآنَ بزهرةِ الشبابِ، لكن تأمل مستقبلَ حياتِكَ كيف تكون؟ وقارن ذلك بمن رضيَ بشيءٍ من المسؤولية، وأصبحَ قريرُ العينِ في شبابهِ وشيبه!! أرادَ ابن عُمر أن لا يتزوجَ، فقالت له حفصة: يا أخي لا تفعل تزوّج، فإنَّ وُلدَ لك ولدٌ كانوا لكَ أجرًا، وأن عاشوا دعوا الله لك،
وسببٌ خامس: وهو الاستغناءُ بالحرامِ عن الحلال: يلجأ بعض الشبابِ هداهم الله إمَّا إلى طُرقٍ سريِّةٍ خفيةٍ لإبرازِ ضرامِ الشهوة، التي حرمها جمهورُ أهل العلم، عملًا بقولهِ - تعالى: (( فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) ) (سورة المؤمنون: 7) .
وإما الاغترافُ من حمأةِ اللذةِ المحرمة، وسلوكِ سبلَ الضلالِ، لتُبذلَ فيها الصحةُ والشبابُ في لذةٍ عارضةٍ، ومتعةٍ عابرة، ثم هو لا يشبعُ، بل كُلما واصلَ واحدةً زادهُ الوصالُ نهمًا، كشَّاربِ الماءِ المالح، لا يزدادُ شربًا إلاَّ ازداد عطشا، فيستغني بذلك عن ما أحله الله لهُ وأباحهُ، لكن لو تأملَ المسكينُ حالهُ لعلمَ أنَّهُ قد جلبَ العارُ والشنارُ على نفسهِ في الدنيا والآخرة.
هذه بعض أسبابِ عزوفِ الشبابِ عن الزواجِ، ولهذه المشكلةِ أضرارٌ وأضرار، فمن ذلك: بقاءُ الكثيرِ من النساءِ عوانسَ في البيوت، مما يترتبُ على ذلكَ قلةَ النسل، ومن أضرارهِ انتشارُ الزنا، لأنَّ الشابَ لا يجدُ للوصولِ إلى قضاءِ حاجتهِ الغريزيةِ إلا سلوك الحرام، ومن أضرارهِ انطواءُ الشابِ على نفسه، وعلى أوهامِ شهوته، والتفكيرِ فيها وتغذيتها بالرواياتِ الرخيصة، والأفلامِ الساقطة، والمجلاتِ الماجنة، وأحلامِ اليقظةِ، ورؤى المنامِ حتى ينتهي الحالُ به إلى الهوس، أو انهيارِ أعصابه، وهذا كُلَهُ نتيجةَ ما نحسُّهُ اليومَ من جُمودٍ في حركةِ الزواج، حتى أصبحت العزوبةُ الممقوتةُ أصلًا لدى عددٍ من الشبابِ ليس بالقليل، فاتقوا الله يا عباد الله، وتجاوزوا تلك العقباتِ، ويسِّروا الزواج، و إلاَّ بيقت بناتُكم في بيوتِكم بلا أزواج، وبقيَ أبنائَكم في منازلكم بلا زوجاتٍ، أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم (( وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ) (سورة النور: 32) .
بارك الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
عباد الله:
إننا نستطيعُ أن نُقسِمَ الشبابَ بالنسبةِ إلى الزواجِ والباءةِ إلى قسمين:
قسمٌ صادقٌ وهو من يعجزُ عن الإتيان بشروطِ الآباءِ المعجزةِ لزواج بناتهم، فيضعونَ العراقيلَ تلو العراقيلَ في سبيلِ ذلك، وهُو قد بذلَ جُهدَهُ، وسخَّرَ طاقَتهُ في محاولةِ الزواجِ، فهذا لا كلامَ لنا فيه، إلاَّ أن نسألَ اللهَ له أن يسر له الزوجة الصالحة التي تقر عينه.
وإمَّا القسمُ الثاني من الشبابِ وهُم المُعرضينَ عن الزواجِ بأسبابٍ تتساقطُ تدريجيًا، وبتلقائيةٍ تامةٍ قبل أن يسقطها النقدُ والتمحيص، فإذا ادَّعى وتحججَ بغلاءِ المُهور، وهُو حقٌّ أريدَ به باطل، فتجدهُ يُكذِّبُ نفسهُ بنفسه، عبرَ سفرَاتهِ المتكررة، إلى خارج البلاد، ليتمتع بالحرية البهيمية، وإنَّكَ لتراهُ مجيبًا للسفر، منفقًا على المومساتِ مع تقتيره على نفسه، وإذا عادَ إلى بلادهِ عاد إلى جمعِ المالِ والعودةِ به إلى الخارج مرةً أخرى، وأنتَ ترى بعض الزاعمينَ بتكاليفِ الزواج، تَراهم يركبُون السيارات الفاخرة، والملابس الرائقة، يصرفُ أموالهُ ويبددها في سبيلِ ذلك، وإذا ناقشتهُ في الزواجِ قال إنَّ المهور غالية، والبعضُ من هؤلاءِ الشبابِ عاطلٌ باطل، لا همَّ له إلا مطاردة النساءِ في الأسواق، والحديثِ عبر الهاتفِ ليلًا ونهارًا؟ لم ذلك كله؟ لأجلِ الشهوة، فلماذا لا يتزوجُ ويمنعُ نفسه منه؟ يقول لا أستطيع أن المهور غالية؟ فأين أنتَ؟ أينَ عملك؟ أم تريد أن نعطيكَ المرأةَ على طبقٍ من ذهب، تنامُ بالنهارِ وتسهرُ بالليل، وتقولُ زوجوني زوجوني أو اتركوا لي الحبلَ على الغارب، أعاكس الفتيات وأسعى للحصول منهنَّ على موعد، وما أكثر المواعيد؟ وما أكثر اللقاءات؟
نسألُ الله أن يعصم ذريتنا من الزلل.
30/5/1426 هـ
ـــــــــــــ
ظاهرة خطيرة
محمد بن عبد العزيز المسند
تزوج فلان فلم يوفق في زواجه، وطلق امرأته بعد أيام من عقد قرانه، وتزوجت فلانة لم يحالفها التوفيق وعادت إلى بيت أهلها بعد أيام من زواجها، وتزوجت فلانة، مرتين وفي كل مرة تعود إلى بيت أهلها ويطلقها زوجها.
ظاهرة خطيرة، تستحق الدراسة والبحث، لمعرفة الأسباب المؤدية إلى فشل الحياة الزوجية بين الشباب والفتيات، لا سيما في الآونة الأخيرة،
لقد كان الرجل في الماضي يَعقد له على امرأةٍ لم يرها قط، ولا يعرفُ عنها أيِّ شيء، ومع ذلك تنجح الزيجة، ويسعد كل واحدٍ منهما بالآخر مهما وجد فيه من العيوب، واليوم لا يدخل الشاب على امرأته إلاَّ وقد رآها وعرف عنها كل شيء، بل رُبما كان على اتصالٍ بها قبل الزواج بأشهرٍ أو سنوات - مع أنَّ ذلك لا يجوز - ومع ذلك سرعان ما ينهارُ عش الزوجية في أيامٍ معدودة، فما هو السر يا ترى.
لقد تأملت في هذه الظاهرة كثيرًا وقد تبين لي أنَّ من أسبابها ما يلي.
أولًا: ضعف الوازع الديني لدى الطرفين أو أحدهما.
ثانيًا: عدم القدرة على تحمل المسؤولية نتيجةً لسوءِ التربية.
ثالثًا: ضعف الصبر والتحمل والاستعجال في اتخاذ القرار.
رابعًا: إطلاق النظر في ما حرم اللهُ من الصور الجميلة الفاتنة، من الرجال والنساء، سواءً مباشرةً، أو عن طريق وسائل الإعلام المختلفة، مما يزهد كل طرف في الآخر.
خامسًا: تدخل طرف خارجي في حياة الزوجين، كأهل الزوج أو الزوجة، خاصة إذا كان الزوج ضعيف الشخصية.
سادسًا: استعمال السحر، ومنهُ ما يُسمى بالصرف للتفريق بين الزوجين، والحيلولة دون انسجامهما، ويمكن الاحتراز من ذلك بالتحصن بالآيات والأذكار الشرعية، والمداومة عليها.
سابعًا: الحرب التي تشنها بعض وسائل الإعلام على الأسرة المسلمة، ودعوة المرأة إلى التمرد على زوجها، وقد نشرت إحدى المجالات النسائية مقالًا بعنوان: كيف تنكدين على زوجك؟ كما نشرت صحيفة أخرى تحقيقًا بعنوان"عشر طرق لقتل الزوج"!!
هذه بعض أسباب هذه الظاهرة، ولا شكَّ أنَّ هناك أسبابًا أخرى كثيرة، والعلاج يمكنُ في تلافي هذه الأسباب وغيرها.
والله الموفق.
7/4/1426 هـ
-ـــــــــــــ
انتبه عندما تريد الزواج
إيمان الشرقاوي
هل مررت يومًا بصحراء قاحلة، لا زرع فيها ولا ماء، تعصف بك الريح تارة، والجوع تارة أخرى، وتتعثر بك الخطى حينًا من الوقت، وبينما أنت على تلك الحال إذ بفرج الله يأتي، ويمنّ الله عليك فينتهي بك المطاف إلى واحة خضراء مليئة بخيرات الله تسر الناظرين، وتبهج السائرين، ومنها يتبلغ المسافرون إلى ما شاء الله، بعد أن يتركوا خلفهم أثرًا يدل على سيرهم في هذا الطريق يومًا ما...؟
وهل تذوقت حلاوة الشبع ولذته بعد أن كابدت مرارة الجوع والحرمان، فسكنتْ نفسك بعد اضطراب، واطمأنت روحك بعد خوف وشتات، وهدأت فرائصك واستقرت بعد طول ارتعاد؟
كذلك هو الزواج.. سكينة للنفس وراحة للفؤاد.. سكن للروح وحياة طيبة للأجساد.. وهو الواحة الخضراء في صحراء الحياة، يتمتع فيها المحبون فتمتزج أرواحهم بحب ووداد، بعد أن أخذوا على أنفسهم العهد والميثاق أن يعيشوا معًا على كلمة سواء، لا اعوجاج فيها ولا التواء، وتعاهدوا معًا على رعاية تلك الواحة الغنّاء لتستمر خضرتها وتورق أشجارها، وتخرج ثمارًا وبذورًا طيبة، وغراسًا صالحة تثقل في الميزان وتجود بالربح الوفير.
مآرب وأهداف:
نعم.. إنها آية الزواج.. قارب العبور في خضم الأمواج.. إنه المودة.. الرحمة.. السكن.. التآلف.. المشاركة بالقلب والجسد، ألا ما أعظمها من حياة بعيدة عن حياة العبث والحرام، تتحقق فيها تلك المآرب والأهداف، ومع ما فيه من تضحية وإيثار، وحبس للنفس عن التفلت من تبعاته ومسؤولياته، فإننا نقول لكل من يريد الزواج: انتبه عندما تريد أن تدخل من ذلك الباب! فهو أشبه بالقفص الذهبي الذي يغري بريقه الداخلين، لكن محبسه ليس كأي حبس وإنما هو حبس محبب إلى القلوب، وتشتاق إليه الأنفس وتحنّ! لذلك فإن لهذا الدخول تبعات، كما أن ذلك القفص الجميل محوط بقيود، وإن كانت ذهبية! فانتبه.. لأن لداخله حقوقًا، وعليه واجبات! ولا بد من دفع رسوم الدخول!
وحين تحسن النوايا وتتحابّ القلوب، وتكون المشاركة الوجدانية في الأفراح والأحزان، في الرخاء والشدة، في اليسر والعسر.. وحين يصبح التأني والحلم والأناة، وحسن الظن والتماس الأعذار، والعمل لوجه الله - تعالى -شعارًا لنا في الحياة.. تسير سفينة الزواج بأمان، فإذا ما اعترضها عارض وتلاطمت الأمواج، وتعالت الصيحات ظهر الربّان الحكيم الذي يعرف فنّ القيادة وأصولها، وكيفية إدارة الدفة في اتجاهها الصحيح، فيأخذ بأسباب الأمان ويصل إلى الشاطيء بسلام.
القوامة على الأسرة
وما أحسن القيادة التي تؤتي أكلها وتثمر ثمارها غضة طرية في كل حين، وما أعظمها إن كان التكليف بها من لدن رب حكيم عليم، رحيم بعباده، وهنيئًا لمن قام بما كلف به دون تقصير، ويا لخزي وندامة من لم يقم بما عليه حق القيام في يوم يشيب من هوله الولدان، والجزاء من جنس العمل، والله - تعالى - لا يضيع أجر المحسنين.
لقد كلّف الله - سبحانه - الرجال بقيادة دفة الأسرة، وخصّهم بدرجة القوامة، قال - تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على"بعض وبما أنفقوا من أموالهم) (سورة النساء: 34) . وهي ليست قوامة تشريف بقدر ما هي تكليف وتبعات ومسؤولية، وليست قوامة تسلط وتعنت وجبروت، بل رعاية وعناية وإحسان، لا ضرر فيها ولا ضرار.. قال:"من ضارّ ضارّه الله، ومن شاقّ شق الله عليه".. وقال:"لا ضرر ولا ضرار" (رواه ابن ماجه) ."
اجتياز البوابة
ومن هذا المنطلق ننطلق معا ونجتاز تلك البوابة لندخل ذلك القفص الذهبي الذي من حرم دخوله تمنى لو عاد قطاره إلى محطته السابقة ليحطّ برحاله هناك أمام ذلك الباب ليصبح آمنًا في حصن حصين من الشيطان الرجيم... لذا فقد قال رسولنا:"من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر الثاني". (رواه الحاكم) .
وقديما قالوا: من خير ما يتخذ الإنسان في دنياه: كي ما يستقيم دينه، قلب شكور ولسان ذاكر: وزوجة صالحة تعينه.
حقوق وواجبات:
إنه الزواج.. العفة والطهارة والإحصان.. المودة والرحمة والأمان.. السكن والأنس والاطمئنان.. من رُزقه ووُفق إليه نال من الخير الكثير، وهو أخذ وعطاء.. حقوق وواجبات.. إيثار وإنكار للذات.. وقبل ذلك طاعة وعبادة وقربة من أجلّ القربات.. به تُطلب الرحمات وترفع الدرجات. قال رسول الله:"إن الرجل إذا نظر إلى امرأته ونظرت إليه نظر الله - تعالى -إليهما نظرة رحمة، فإذا أخذ بكفها تساقطت ذنوبهما من خلال أصابعهما". (رواه ميسرة بن علي ورمز له السيوطي بالصحة) .
تُرى أخي الزوج.. أختي الزوجة.. متى نظر كل منكما للآخر نظرة الرحمة تلك؟! ومتى أخذ كل منكما بكف شريكه أخذ عطف ورعاية ومحبة ليكون جزاؤه عند الله من جنس عمله؟ قد يكون ذلك العمل هامشيًا في نظر البعض لا أثر له في موازينهم، لكنه نظر في غير موضعه، فكل ما من شأنه جلب رحمة الله فهو عند الله عظيم.. هي نظرة ولمسة تنزل الرحمات، فما أعظم تلك النظرة، وما أروع تلك اللمسة!!
قيد حديدي:
وإن كان الأمر كذلك فما بال أقوام جعلوا من ذلك القفص الذهبي المليء بالرحمات قيدًا حديديًا تُكبّل به الأيدي، وتُهان بسببه النفوس، وربما تمله وتتمنى الفكاك منه بأي سبيل كان وبأي ثمن يُدفع؟! ما الخلل إذن؟ وما الداء؟ وأين نجد الدواء؟ فوالله إنه لشيء عجاب أن تنقلب الموازين وتتحول جنبات البيت الآمن الذي يريده الله كروضات الجنات إلى أرض مستعرة تقذف حممًا بركانية ثائرة تأكل الأخضر واليابس من أمن الدار، وإلى نار تلظّى تتأجج بالليل والنهار! تُرى ما السبب؟ وكيف نتحول بالزواج وبالبيت إلى ما يتمناه كل إنسان سليم الفطرة سويّ التفكير، فيصبح روضة تسر الناظرين، وبستانًا يضم أحسن
الورود وأطيب الرياحين بدلًا من أرض جدباء لا تأتي إلا بالأشواك والهشيم..
الصحبة الطيبة
لقد أوصى الصحابي الجليل أبو الدرداء - رضي الله عنه - زوجته فقال لها:"إذا رأيتني غضبت فرضني، وإن رأيتك غضبى رضيتك، وإلا لم نصطحب".. نعم.. إنها الصحبة الطيبة التي تعرف أن لها حقًا، وللآخرين حقوقًا.. فتعطي قبل أن تأخذ، وتعرف لكل ذي حق حقه.. الحياة شركة مشتركة، والحقوق والواجبات فيها كثيرة.
إصلاح النواة:
ولمّا كان البيت المسلم هو النواة في الأمة المسلمة، ومتى صلح قويت الأمة، فجدير بنا أن نصلح النواة ونحيطها بسياج الرعاية والريّ والإهتمام، بعيدًا عن الآفات التي تحد من صلاحيتها أو تؤثر فيها. ولما كان الزوج هو رب الأسرة وقيّمها كما أوضحنا، وبه يقتدي أهل بيته ومنه يتعلمون، فلا بد أن يكون على عاتقه الحمل الأكبر من الرعاية والمعرفة التامة بالحقوق والواجبات، وإذا علم ذلك أتبع علمه بالعمل... لذا سنقدم لكم إن شاء الله سلسلة القفص الذهبي، يكون مسيرنا فيها معًا على الطريق من أجل أسرة مسلمة سعيدة مستقرة، بعيدًا عن آفات الجهل بالحقوق والواجبات، نتطرق معًا لبعض المؤثرات على تلك الأسرة سلبًا وإيجابًا، من أجل بناء أقوى وزواج أبقى.
ـــــــــــــ
شعرة الأسد
الدكتور محمد بن عبدالعزيز المسند
يحكى أن امرأة حديثةَ عهدٍ بزواج، أتت أحد الحكماء تطلب منه نصيحة لكسب ود زوجها، والوصول إلى قلبه، فما كان من ذلك الحكيم إلا أن طلب منها أن تأتيه بشعرة أسد! فتعجبت من طلبه! وقالت: أنَّى لي بشعرة أسد، وأنا المرأة الضعيفة!! فقال لها: ما أجد لك حلًا غير هذا.
فانطلقت المرأة إلى أقرب غابة لتبحث عن أسد، وما إن وجدته حتى باتت تقترب منه شيئًا فشيئًا، وتعتني بطعامه وشرابه، وتوليه جل اهتمامها ورعايتها في حنان وعطف بالغين، حتى إذا ما ألفها وألفته، وصار ينام بين يديها قرير العين، وهي تمسح على رأسه ـ نزعت شعرة من رأسه، وأتت بها مسرعة إلى ذلك الحكيم ليحقق لها ما تريد.
فتعجّب الحكيم من صبرها ومثابرتها، وقدرتها على إخضاع ذلك الأسد الغضنفر، وقال لها ـ بعد أن ألقى الشعرة تحت قدمه ـ: فكذلك فافعلي بزوجك، تكسبي وده.
إن هذه الحكاية وإن كانت أقرب إلى الرمز منها إلى الحقيقة؛إلا أن لها دلالتها الواضحة في وصف العلاج الناجع لكثير من المشكلات الزوجية، والتي تبدأ ـ في الغالب ـ منذ الأيام الأولى للزواج..حيث تنهال النصائح من بعض الأقارب والأصدقاء لكلا الزوجين مذكرة إياهما بضرورة إثبات الشخصية، وأن (العود من أول ركزة) ، وإذا كانت هذه النصيحة في الماضي توجه للزوج وحده، فإنها الآن توجه للزوجة كذلك، فلا بد أن تثبت شخصيتها من أول يوم، حتى يكون زوجها ـ كما يقال ـ كالخاتم في يدها أو رهن إشارتها، وكم جرّت هذه النصيحة من متاعب، وجلبت من مصائب بين الزوجين، والنتيجة: إما شقاق دائم وعدم وفاق، أو طلاق بائن وفراق.
وقد جرّب ذلك كثيرات، فهذه امرأة غربية كافرة، تحكي قصتها مع زوجها، وأنها كانت كالند له على مدى اثنتي عشرة سنة من بداية زواجهما، وأنها لم تجن من ذلك إلا الشقاء، والهم، والقلق الدائم، وبعد هذه السنوات الطوال قررت أن تخضع له في كل شيء، وتلبي كل رغباته دون اعتراض، فإذ بحياتها تنقلب إلى سعادة لا توصف كما صرحت بذلك في كتابها الذي أصدرته مؤخرًا في هذا الشأن، فهي تدعو بنات جنسها أن يحذين حذوها، إن أردن السعادة في حياتهن الزوجية.
ونساؤنا المؤمنات لسن بحاجة ـ ولله الحمد ـ إلى نصائح الكافرات، ففي كتاب ربهن وسنة نبيهن - صلى الله عليه وسلم -، ما يغنيهن عن مثل هذه النصائح، وإنما أسوق هذه النصيحة لبعض النساء اللاتي اغتررن بنساء الغرب، فرحن يقلدنهن في كل شيء، حتى سمعنا من تطالب بأن تكون القوامة للمرأة على الرجل إذا كانت هي المنفقة، بل من تطالب بتعدد الأزواج للمرأة كما للرجل، ومن تأمل أحوال أولئك النسوة اللاتي يزعمن التحرر، وجد أن الفشل والشقاء، وعدم الاستقرار هو عنوان حياتهن الزوجية، هذا إن صبر عليهن أزواجهن، وإلا فإنهن في عداد المطلقات المنبوذات، وربما بعد عدة زيجات فاشلة، وهذا هو جزاء من تنكب الصراط المستقيم.
14/12/1425 هـ
ـــــــــــــ
ورد .. وشوك
صعقت رباب عندما واجهها زوجها بنيته الزواج للمرة الثانية، لم تصدقه، بل ربما لم تشأ أن تصدق،
قالت له: أنت لا شك تمزح، تريد أن تثير غيرتي لا غير، وأضافت كمن تتمنى أن يوافقها، بل ترجوه أن يفعل، حتى لو كان كاذبًا، فيقول إنه يمزح، لكنه أطرق قليلًا ثم قال بهدوء: لم أكن جادًا من قبل كما أنا الليلة.
استشاطت غضبًا، وطرحت نفس السؤال الذي كان هو يوجهه لنفسه، كان يعلم يقينًا أنها ستطرحه ويحاول تحضير إجابة ما تقنعها أو تقنعه، كان سؤالها المتوقع: وماذا ينقصك لتتزوج من امرأة أخرى، حار في أمره، فسألت سؤالًا آخر: بماذا قصرت معك؟ ازداد حيرة، وسؤال ثالث كررته كثيرًا في مرارة وألم: لماذا؟؟! أخذ يدها وقال محاولًا تهدئتها: يا عزيزتي... ثارت ثائرتها ونزعت يدها من يده وهي تقول في تهكم وأسى: عزيزتك؟! قاطعها محاولًا الاحتفاظ بهدوئه وهو يقول: هل قلت إنك قصرت معي في شيء؟ لم أقل ذلك أبدًا، كما لم أقل بأنه ينقصني شيء! صرخت قائلة: فلماذا إذن، لماذا؟ أخذ يتلفت حوله كأنه لم يطرح هذا السؤال على نفسه عشرات المرات، وكأنه لم يحضر إجابات منمقة فيها اعتراف بفضل زوجه ووقوفها معه دائمًا في السراء والضراء، وفيها شكر عميق على حسن اهتمامها بالأولاد وتربيتهم التربية المثلى
سكت حيرة فهو يعلم أنه لن يقنعها بشيء، مهما حدثها عن دوافعه ومقاصده، واستمدت هي من سكوته قوة وعادت تطرح نفس الأسئلة: لماذا؟
حاول جاهدًا استيعاب ثورتها، وأكد لها حرصه الشديد على استمرار العلاقة بينهما، وأنها ستحتفظ دائمًا بمكانتها في قلبه وحياته، وأخذ يشكر فضلها على ما قدمت في السنوات الطويلة التي قضياها معًا، لكن ثورتها كانت تتجدد مرة بعد مرة، وتسمع كأنها لا تستمع شيئًا مما يقول، وتعود لطرح أسئلتها ثانية وثالثة، أدرك أنه لن يستطيع إرضاءها أبدًا، إلا إذا تراجع عن نيته وهو لا ينوي التراجع مطلقًا مهما كانت النتيجة، ولذلك قال في حزم: لقد فكرت طويلًا، وقد عزمت على ما أبلغتك به، وهأنا أخبرك بنفسي، فلأن تعلمي مني خير من أن تعلمي من غيري، فانظري أمرك، وقام يغادر المكان حتى لا يسمع أسئلتها من جديد.
لكنها لحقت به وسألت سؤالًا آخر هذه المرة وقد أدركت أن الأمر جد لا هزل، قالت: فمن هي تلك المرأة؟ سكت مليًا ثم قال: هذه ليست قضيتك. قالت: أهي أجمل مني؟ هل هي أصغر مني؟ هل هي ؟
قاطعها قائلًا: وهذه ليست قضيتي، حدق في عينيها مكررًا: تعلمين جيدًا أن هذه ليست قضيتي، وغادر الغرفة ولم يلتفت.
أما هي فقد قضت ليلتها تبكي حتى الصباح، وتجتر ذكرياتها ما حلا منها وما مر، وأرقها بشكل خاص ما سيقوله الناس في شأنها، سوف يتساءلون، سيلوكون قصتها بلا شك، وسيقولون الكثير، فماذا وراء الناس غير الكلام في الناس؟
تبث همومها لصديقتها