فهرس الكتاب
فاطمة البريكي
قدرة الأديب على ملاحظة الأشياء من حوله، كبيرة أو صغيرة، مألوفة أو غريبة، واضحة أو خفية، ظاهرة أو باطنة، هي الحد الفاصل بين أديب وآخر.
يحسن بعض الأدباء عملية التقاط الأفكار المهمة الجديدة والمبتكرة، بحيث يقدمون في كل نص فكرًا جديدًا، ومعنى عميقًا، وموقفًا حقيقيًا وجادّا إزاء قضية ما. وفي الوقت نفسه، يوجد عدد غير قليل من الأدباء، الناشئين خصوصًا أو أصحاب التجارب المعدودة والمحدودة، الذين لا يستطيعون أن يقدموا جديدًا يُذكَر على ما سبق أن قدموه في نصوص سابقة، ومن الممكن أن يتنبأ القارئ مسبقًا بما سيقرأ بمجرد أن يرى اسم الأديب، لعلمه بأنه لا يأتي بجديد، وربما لا يحرص على ذلك.
ومن الطبيعي أن يتساءل المرء عن سبب هذا التباين بين الكتاب والأدباء والمبدعين، وأن يفكر في سبب التجديد في نصوص بعض الكتّاب، والتكرار في نصوص البعض الآخر. وكذلك من الطبيعي أن يتساءل عن غلبة ثيمات معينة على مجموعة الكتّاب الذين تجمعهم بيئة مكانية وزمانية متشابهة، مع أن المفروض أن يقدم كل منهم تجربته الخاصة به، والنابعة من ذاته ومن حقيقة انفعاله وتفاعله مع العالم الصغير أو الكبير من حوله.
ويبدو لي أن السر يكمن في مهارة خاصة، يمتلكها بعض الأدباء ويحسنون استخدامها وتوظيفها، ويفتقدها البعض الآخر، أو يمتلكونها لكنهم لا يحسنون توظيفها. وهذه المهارة قد توجد بالفطرة لدى بعض الأدباء، ولكن اكتسابها ليس مستحيلًا، بل يمكن الزعم بأنه سهل وممكن، وقد تحدث عدد من الأدباء اللامعين في بعض الفنون الأدبية عن طرائق اكتساب هذه المهارة، التي يُطلق عليها مهارة"الملاحظة".
إن قدرة الأديب على ملاحظة الأشياء من حوله، سواء الكبيرة أو الصغيرة، المألوفة أو الغريبة، الواضحة أو الخفية، الظاهرة أو الباطنة، هي الحد الفاصل بين أديب وآخر، وهي السر الذي يجعل نصوص بعض الأدباء متجددة، لتصبح العملية الإبداعية وكأنها عملية ولادة حقيقية ومستمرة لكائن جديد في كل مرة، ويجعل نصوصًا أخرى لأدباء آخرين مكرورة ومعادة، لتبدو العملية الإبداعية كأنها عملية اجترار لمخزون موجود سابقًا، لا يحسن الأديب إلا إعادة تقديمه للقراء في صورة أعمال قتلها التكرار، خاوية من الجدة والعمق في الطرح وفي طبيعة المضامين التي تنطوي عليها، بحيث لا يكاد يختلف عمل عن آخر إلا في العنوان ربما.
ولو توقفنا عند بعض نصائح الأدباء المشهورين للأدباء الناشئين سنجد أنهم يركزون على هذه المهارة التي لا تلقى كثير اهتمام من قِبَلهم. ومن أمثلة هذه النصائح ما سطّره"تولستوي"في رسالة كتبها إلى أديب شاب، حيث قال: إن على الأديب تنمية"الملاحظة"في نفسه والاعتياد عليها، وعليه أن يحب ذلك.. ألا يتوقف عن ممارستها.. عليه أن يخمن الماضي والحاضر لرجل من حركة، من عبارة.
و"تولستوي"نفسه لم يكن يملك القدرة على ملاحظة تفاصيل الحياة، وقد ذكر في رسالته هذه أنه سعى إلى تعلم ذلك سعيًا دائبًا، لأنه رأى أن الوسيلة الصحيحة ليحصل الكاتب على نغمته الخاصة وأسلوبه المميز هي التجربة وامتلاك عدة ملاحظة الحياة بطريقة مثمرة. وهذا يعني أن قوة الملاحظة إن لم تكن ملَكة موجودة لدى الأديب فطريًا بحيث يتوجب عليه العمل على تنميتها فقط، فإنها أمر يمكن اكتسابه، بل على الأديب أن يسعى لذلك بجد حثيث، لأنه لن يتمكن من التقدم بأدبه وبمستوى ما يقدمه للقارئ من دونها.
وكذلك فعل"وليام سارويان"الذي أوصى كاتبًا ناشئًا في رسالة كتبها له بأن يكون مرهف الملاحظة أكثر من الآخرين، وأن يكون أقواهم، وعزّز وصيته قائلًا: إنها الطريقة الوحيدة لكي تكتب شيئًا عظيمًا.
ولـ"تشيكوف"رأي متفق مع الرأييْن السابقيْن، إذ يقول: يجب على الكاتب أن ينمي في نفسه مَلَكَة الملاحظة بلا كلل، وأن يجعل من الملاحظة عادة فيه، أي طبيعة ثانية.
ولكن ما هي آلية ملاحظة الحياة التي أوصى بها تولستوي وسارويان وتشيكوف وكثير من الأدباء الكبار الأدباءَ الشباب والناشئين؟ وكيف يمكن أن يقوم الكاتب بملاحظة الحياة؟ أو كيف يعرف أنه يمارس ذلك بالشكل الصحيح؟
للملاحظة"عدّة"بحسب تعبير"تولستوي"، أو أدوات أساسية، يتوجب على الأديب امتلاكها كي يتمكن من ممارستها، ومن أهمها ما يلي:
-رهافة الإحساس، والحساسية الزائدة تجاه كل شيء يحيط به.
-الاهتمام والمتابعة بحرص لكل ما يجري، من أضيق دائرة، إلى أوسع دائرة محيطة به.
-امتلاك قلب محبّ؛ فالأدب مرتبط بالعاطفة، والعاطفة مكمنها القلب، وهو يتسع لكثير من المشاعر المختلفة، لكن الأهم أن يجد الحب مكانًا رحبًا فيه، وهو أمر لا يقدر عليه الكثيرون، ومن المميزات التي تُذكر لبعض الأدباء استطاعتهم النظر إلى العالم بحب، والتقاط الأفكار من المحيط حولهم بحب أيضًا.
-النزول إلى الشارع، والاحتكاك المباشر بالناس، ليس لمجرد نقل صورة واقعية لما يحدث، فهذه مهمة يمكن أن يقوم بها أشخاص آخرون، ولكن ليكون الأديب أمينًا فيما يكتب، ولينطلق من قضايا تمس البيئة المحيطة به بشكل مباشر، بدلًا من الكتابة من"برج عاجي"بحسب التعبير الشائع، وهذا سيساعده على التقاط صور قريبة ودقيقة، لا يسمح له علوّ برجه العاجي برؤيتها بوضوح.
-عدم الاستهانة بأي إنسان أو بأي فكرة، فكل شيء في الحياة -مهما كان بسيطًا في ظاهره- من الممكن أن يكون عظيمًا بحد ذاته، أو أن يكون دليلًا على ما هو عظيم.
-تجديد المعارف وتنميتها، وكذلك تنمية المهارات اللازمة لتوظيف المعارف بالشكل المناسب والجيد.
-تكوين نظرة شمولية عن البيئة المحيطة، ومحاولة تقليب كل تفاصيلها من جميع الزوايا الممكنة، لأن كل محاولة مختلفة باختلاف زاوية النظر إليها قد تولّد فكرة جديدة لا يلتفت إليها سوى الأديب الحقيقي، وبذلك يتميز عن نظرة عامة الناس.
إن هذه الأدوات، أو"العدّة"بتعبير"تولستوي"، لا يمكن أن تنشئ أديبًا من العدم، ولكن يمكنها أن تحدث اختلافًا ملموسًا في المضامين التي يقدمها الأديب، خصوصًا الشاب أو الناشئ، وأن تساعده على التمكن من أساسيات الكتابة القائمة على التجديد والابتكار والإبداع، وتجنبه تكرار نفسه، واجترار ما سبق له كتابته، أو ما سبق له أن قرأه لآخرين غيره.
* ملاحظة: آراء تولستوي وسارويان وتشيكوف مأخوذة من كتاب"لعبة الأدب: عباقرة فن الكتابة يشرحون أسرار المهنة"لفتحي خليل، دار الآفاق الجديدة، 1980.
ــــــــــــــــــــ