فهرس الكتاب
السلام عليكم.. بداية أود أن أوضح إعجابي الشديد بهذا الموقع الأكثر من رائع ما شاء الله، وأود أن أشكر القائمين عليه وأهنئهم على ما يبذلونه من جهد للتغلب على مشاكل التربية التي تواجه الأسرة العربية والإسلامية بارك الله فيهم، وبعد..
أنا والدة لفتاة في الحادية عشرة من العمر، لاحظت أنها كانت تميل للعب مع الصبيان من أولاد الجيران ومن الأقارب منذ أن كانت في الرابعة من عمرها، وشيئًا فشيئًا أصبحت ترتدي البنطالات والقمصان مثلما يرتديها الصبيان، ثم طلبت مني أن أقص شعرها مثلهم فرفضت، فما كان منها إلا أن قصته بنفسها بطريقة غير مرتبة، فاضطررت إلى الذهاب إلى أحد الصالونات، حيث تم قص شعرها كما تريد، ومنذ يومها أصبحت تقص شعرها على هذا الشكل، ومع مرور الأيام لاحظت أن أسلوبها في الكلام تغير، وأصبح خشنًا كالصبيان كما أنها أصبحت حركية جدًّا بل رياضية، وذلك كي تستطيع مجاراة الصبيان في لعبهم وجريهم بالكرة بخشونة، ومشكلتها تفاقمت أكثر وأكثر فعندما نذهب لشراء الملابس تشتري ملابسها من قسم الصبيان وإذا منعتها من ذلك تصرخ وتهدد، كما أنها تأخذ عطور والدها لترش منها، حتى غدا مظهرها كالصبي، وفي المدرسة تصادق فتيات ضعيفات الشخصية كي تفرض عليهن ما تريد، وإذا لم توافقنها الرأي ضربتهن بضراوة، لكنها بعد هذا تعتذر إليهن وتتودد لهن، فعلى الرغم من خشونتها فإنها كريمة وطيبة القلب وذكية لكنها لا تحب الدراسة، ومسامحة، كما أنها ذات إرادة قوية، فمرة سبقتها فتاة في الجري في حصة التربية البدنية، فلما عادت إلى المنزل أخذت تتدرب بطرقها الخاصة لمدة شهر تقريبًا، حتى استطاعت أن تسبق تلك الفتاة.
إن مشكلتي بدأت تكبر عندما لاحظت أن ابنتي بدأت تظهر عليها أمارات البلوغ منذ زمن قصير، فقبل هذا لم أكن واعية ومهتمة، ولكني الآن شعرت بخطورة الأمر فلا أستطيع منعها من اللعب مع الصبيان مباشرة، ولا يمكنني أن آمرها بالحجاب، فأرجوكم أن تفيدوني في مسألتي، وكيف يمكنني أن أحقق هدفي مستفيدة بما لديها من خصال حسنة في شخصيتها؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
... السؤال
عالم المراهقة
فريق الاستشارات التربوية ... اسم الخبير
... ... الحل ...
... يقول الدكتور وائل ابو هندي أستاذ مساعد للطب النفسي جامعة الزقازيق - مصر:
الأخت السائلة أهلًا وسهلًا بك، وشكرًا جزيلًا على ثقتك، وإطرائك النبيل لموقعنا وصفحتنا معًا نربي أبناءنا. ما تعاني منه ابنتك هو في الغالب ما نسميه في الطب النفسي باضطراب الهوية الجنسية في الطفولة Gender identity disorder of childhood، وهو اضطراب يبدأ في الظهور عادة في مرحلة الطفولة المبكرة (ودائمًا قبل البلوغ بمدة طويلة) ، ويتميز بضيق مستديم وشديد بشأن الجنس الفعلي، مع رغبة (أو إصرار) على الانتماء للجنس الآخر، ويكون هناك انشغال دائم بملابس أو نشاطات الجنس الآخر أو كليهما مع رفض للجنس الفعلي.
والمعتقد على نطاق واسع هو أن هذه الاضطرابات غير شائعة نسبيًّا وإن لم تكن هناك دراسات في بلادنا (على حد علمي) عنيت بهذا الأمر، وتشخيص اضطراب الهوية الجنسية في الطفولة يقتضي وجود اضطراب في الإحساس الطبيعي بالذكورة أو الأنوثة (بالرغم من عدم وجود أسباب عضوية لذلك) ، أما مجرد السلوك الصبياني بين البنات أو السلوك"البناتي"بين الأولاد فليس كافيًا.
والسمة التشخيصية الأساسية هي رغبة عامة ودائمة عند الطفل للتحول إلى الجنس المقابل للجنس الفعلي (أو الإصرار على الانتماء إلى الجنس المقابل) ، بالإضافة إلى رفض شديد لسلوك أو صفات أو ملابس الجنس الفعلي أو لهما جميعًا، وتظهر هذه الحالة أول ما تظهر بشكل نموذجي، أثناء سنوات ما قبل المدرسة.
ولاستخدام هذا التشخيص يجب أن تكون الحالة قد أصبحت جلية قبل الدخول في مرحلة البلوغ، وفي الجنسين قد يكون هناك رفض للأجزاء التشريحية الخاصة بالجنس الفعلي، ولكن هذه ظاهرة غير شائعة ولعلها نادرة.
والأطفال المصابون باضطراب الهوية الجنسية ينكرون وبشكل متميز أن هذا الاضطراب يسبب لهم أي إزعاج، وذلك على الرغم من احتمال ضيقهم بالاصطدام مع ما تتوقعه عائلاتهم أو أقرانهم منهم، وبالسخرية أو الرفض الذي قد يتعرضون له.
وما يعرف عن هذه الحالات أكثر في البنين منه في البنات، والنمط النموذجي هو أن يبدأ الأولاد من الذكور منذ سنوات ما قبل المدرسة بالانشغال بأنواع من اللعب والأنشطة الأخرى التي تمارسها الإناث بشكل نمطي ومتكرر، وكثيرًا ما يكون هناك تفضيل لارتداء ملابس الفتيات أو النساء، وقد تكون لديهم رغبة شديدة في المشاركة في ألعاب وهوايات الفتيات، ولعبتهم المفضلة هي غالبًا"العروسة"، كذلك فإن رفاق اللعب المفضلين يكونون عادة من الفتيات، ويبدأ النبذ الاجتماعي عادة أثناء سنوات الدراسة الأولى ويصل إلى ذروته غالبًا في مرحلة الطفولة المتوسطة في شكل سخرية مهينة من الأولاد الآخرين، وقد يقل السلوك الأنثوي كثيرًا أثناء بدايات المراهقة، مثلما قد يقل السلوك الذكوري في البنات أيضًا مع البلوغ.
ولكن قليلًا جدًّا منهم يبدون تحولًا جنسيًّا في الحياة البالغية (ذلك بالرغم من أن أغلب الكبار المصابين بالتحول الجنسي يذكرون أنهم كانوا يعانون من مشكلة في الهوية الجنسية أثناء الطفولة) .
وفي عينات مأخوذة من العيادات وجد أن اضطراب الهوية الجنسية أقل معدلًا بين الفتيات عنها بين الفتيان، ولكن ليس معروفًا ما إذا كانت هذه النسبة بين الجنسين تنطبق على المجتمع بشكل عام، وكما هي الحال في الفتيان، تجد بين الفتيات مظاهر مبكرة للانشغال بسلوك يرتبط بشكل نمطي بالجنس المقابل، فالفتيات اللاتي يعانين من هذه الاضطرابات يتخذن رفاقًا من الذكور ويبدين اهتمامًا شديدًا بالرياضة واللعب العنيف، كما أنهن لا يبدين اهتمامًا بالدمى (العرائس) ، وباتخاذ الأدوار النسائية في ألعاب الخيال مثل لعبة"الأمهات والآباء"أو لعبة"البيت". والبنات المصابات باضطراب الهوية الجنسية لا يتعرضن عادة لنفس الدرجة من النبذ الاجتماعي مثل الأولاد، بالرغم من أنهن قد يعانين من السخرية في أواخر الطفولة أو المراهقة، وأغلبهن يتخلين عن إصرارهن المبالغ فيه على أنشطة وملابس الذكور عندما يقتربن من المراهقة، ولكن بعضهن يحتفظن بهوية الذكور وقد يتابعن التوجه باشتهاء الجنس المماثل homosexual.
ومن المعروف أن السلوك الذكوري من بنت يقبلُ في مجتمعاتنا أكثر من السلوك الأنثوي من ولد، ولعل هذا هو سبب عدم أخذك الأمر بصورة جدية من وقت مبكر، ونادرًا ما يصاحب اضطراب الهوية الجنسية رفض مستديم للأعضاء التشريحية الخاصة بالجنس الفعلي، ففي الفتيات يأخذ ذلك تأكيدات متكررة على أن لديهن قضيبًا، أو أنه سينمو لهن قضيب، وقد يرفضن التبول وهن جالسات أو قد يؤكدن على رغبتهن في ألا تنمو لهن نهود أو تكون لديهن دورة شهرية.
معنى ذلك أن المشكلة التي تواجهينها مع ابنتك قد تكون أعمق بكثير من مشكلة الحجاب في حد ذاته، فالبنت تحتاج إلى علاج نفسي طويل الأمد، خاصة وأن الاحتمال التشخيصي الذي وضعناه لها يحتاج إلى تأكيد من قبل الطبيب النفسي، وكذلك إلى تحليل ما ستتجه إليه ميولها الجنسية في فترة المراهقة، وذلك كله بعد أن يتم فحص وتحليل للهرمونات وللكروموسومات، وتكون سلامتها مؤكدة من هذه الناحية.
وفقك الله عز وجل وأعانك، ونحن في انتظار موافاتنا بالتطورات الطيبة إن شاء الله تعالى.
ــــــــــــــــــــ