فهرس الكتاب
إيمان عبد المنعم**
"نحن أخطأنا وعلى استعداد لتقبيل رأس وأيدي أساتذتنا بالجامعة... ولكن اسمعونا قبل أن تحاكمونا وتعاقبونا... تعرفوا على مشاكلنا؛ فنحن أبناؤكم المحاصرون بالأمن من جهة والبلطجية من جهة أخرى، وضياع مستقبلنا من جهة ثالثة، واعتقالنا من جهة رابعة، لمجرد أننا نطالب بحقوقنا.. أنتم من علمتمونا أن التنازل عن الحق ليس من الرجولة في شيء! وأنتم اليوم أيضا من تلوموننا.. فلا تلمونا اليوم ولوموا أنفسكم".
بتلك الرسالة متعددة الجوانب لخص طلبة الإخوان بجامعة الأزهر أزمة ما سمي بميليشيات الإخوان الجامعية، وإذا أردنا أن نبتعد عن هوجة التحليلات السياسية التي حولت الأزمة إلى قضية عامة ومحطة من محطات الصدام بين جماعة الإخوان المسلمين والنظام المصري، ونظرنا إلى أرض الواقع لنكتشف السر الحقيقي وراء ما حدث؛ فوفقًا لأساتذة الاجتماع، فسنجد أن الواقع الذي يحياه المجتمع الجامعي بشكل عام والبيئة السائدة داخل جامعة الأزهر بشكل خاص، كانت السبب الأول في الأزمة.
ووفقًا للطلبة، فالغربة ونقص الموارد والاضطهاد وكبت الحريات تمثل مربع معاناة طلبة جامعة الأزهر؛ فالطالب الذي درس وسط نضارة الخضرة وبكارة الحقول، بين أهلة وأقاربه، خرج اليوم ليدرس بالجامعة ويشعر بالحرية، جاء إلى القاهرة حاملا معه شعارات الأمل في الحرية والانطلاق والتعبير عن حماسة الشباب، ليصطدم بأضلاع مربع المعاناة السابق ذكره.
ويكفي الإشارة إلى أن الطلبة المغتربين يمثلون أكثر من 80% من طلاب جامعة الأزهر البالغ عددهم 400 ألف طالب بمختلف المراحل الدراسية.
.. وغاب الحلم
هذا ما يؤكده محمود إبراهيم الطالب بالفرقة الثالثة بكلية التجارة قائلا: يأتي الطالب من الثانوية العامة إلى الجامعة بالقاهرة ليتعلم كيف يعبر عن رأيه الحر كما كان يعبر عنه وسط أسرته الصغير -معتقدًا أن الأسرة الكبيرة ستخلق منه شخصية حرة معبرة عن آرائها مشاركة في صنع القرارات- ولكن الصدمة تبدأ مع أولى الخطوات داخل الجامعة -فالصورة ليست وردية كما كان يرسمها؛ فلن يصبح هذا الطالب عمر مكرم ولا الشيخ محمد عبده ولا الشيخ الشعراوي هؤلاء الرموز الذين انطلقوا بالدعوة التي تمثلها جامعة الأزهر- فاليوم أصبحت على الطراز الحكومي.
ويضيف: مع اليوم الأول يفاجأ الطلبة بمحاصرة الجامعة بسيارات الأمن المركزي لتتحول لما يشبه الثكنات العسكرية، خاصة أن الجامعة تقع بالفعل وسط العديد من مراكز تدريب القوات المسلحة، بالإضافة إلى مقر أمن الدولة الجديد والذي أصبح يمثل كارت تهديد لمئات الشباب الذين باتوا يخشون المرور بالقرب منه، مع أنه يبعد عن المدينة الجامعية بضعة أمتار لا غير.
وبعيدا عن المشهد الأول الذي قد لا يصلح تفسيرًا مناسبا لمعاناة الطلبة للوهلة الأولى، ولكن يدرك مغزاه مع الوقت، بتواتر التعليمات الأمنية المشددة من خطورة الاقتراب من العمل الطلابي أو المشاركة في الأسر خاصة أسرة"الجيل المنشود"والتي تمثل تيار الإخوان المسلمين داخل الجامعة.
ثم تبدأ المشكلات الطبيعية في سرد حالها بداية من ارتفاع أسعار شقق الطلبة -حيث إن المدينة الجامعية لا تستوعب كافة المغتربين- والتي تتراوح أسعارها من 2000 إلى 10 آلاف جنيه بينما متوسط مصروف الطالب 200 جنيه؛ فمن أين يدبر أمره ومأكله ومشربه وكتبه، وصولا إلى غياب التوعية والأنشطة.
ويتابع محمود أن فكرة الاتحاد الحر أو الموازي والتي أتاحت تمثيلًا طلابيا لا تسيطر عليه إدارة الجامعة، كانت في نظر البعض بمثابة طوق الحرية، ولكن يبدو أنها كانت بداية جديدة لمشكلات من نوع آخر.
بداية الأزمة
يقول الطالب محمد الصنهاوي الطالب بالفرقة الرابعة بكلية الصيدلية نائب الأمين العام للاتحاد الحر بجامعة الأزهر، والذي صدر قرار بفصله عقب عرضه مع طلبة آخرين على مجلس تأديب: لم نسع لاختلاق أزمة، ونرفض أن نكون وسيلة للضغط على جماعة الإخوان؛ فما فعلناه خطأ نعتذر عنه ونعلن اعتذارنا عنه بكل شجاعة، رغم أنه كان مجرد فقرة رياضية تحولت إلى هوجة لم ندرك حسبانها.
ولكن قبل أن نحاسب على خطأ غير مقصود لِمَ لا نسأل عن سبب الاعتصام الذي تتضمن تلك الفقرات؟ لِمَ لا تستجوب قوات الأمن التي منعتنا من ممارسة حقنا في الترشيح لانتخابات الاتحاد الحر؟.
الحكاية ليست جديدة وسيناريو يتكرر كل عام، تعنت أمني وشطب ومنع ومجالس تأديب دون الوقوف على السبب الحقيقي لدفعنا نحو المشاركة في انتخابات الاتحادات الموازية التي مثلت لنا أولى خطوات الحرية والتعرف على مشكلتنا وحلها.
ويضيف: ما بدأناه يوم الخميس الماضي من اعتصام مفتوح جاء نتيجة تحويل 9 طلاب من المشاركين في انتخابات"الاتحاد الحر"إلى مجلس تأديب، ثم فصلهم رغم أنهم فقط قرروا الحصول على رفع مطالبهم إلى الإدارة عن طريق إجراء انتخابات حرة حتى وإن كانت في سياق اتحاد مواز.. وكانت النتيجة حرمانهم من دخول الامتحان وبالتالي ضياع سنة أو ربما ضياع مستقبل بعضهم الذي يحلمون مع آبائهم وأمهاتهم بتحقيقه.
لذلك خرجنا لنعتصم بعدما رفضت الجامعة رفع الظلم عنا، اعتقدنا أننا نمارس حقنا الطبيعي في الاعتصام السلمي حتى نحصل على حقنا.. ونظرا لطول الاعتصام جاءت فكرة البرنامج الترفيهي واستندت الفقرة الرياضية إلى طلاب كلية التربية الرياضية الذين قرروا استعراض مهارتهم من خلال عرض"حمساوي"كنوع من التضامن مع الشعب الفلسطيني، كما تعودنا أن ندعمه ونتذكر قضيته في كل مناسبة بعرض مماثل.
ويؤكد محمد، أنه بالفعل كان هناك خطأ في التوقيت، ولكننا لم نكن نقصد أي شيء من كل التفسيرات والتحليلات التي تناولت الحادثة.
وهذا ما يؤكده صهيب شوكت الطالب بكلية الطب أحد المفصولين أيضا، قائلا: لم نكن نقصد بأي حال من الأحوال ما حدث، حتى إطلاق كلمة عرض أو استعراض على الأمر مرفوض تمامًا؛ لأن كل ما قدم كان مجرد فقرة رياضية لا تحمل أكثر من ذلك.
ويتساءل صهيب: على من نمارس العنف أو استعراض العضلات، على إخواننا من الطلبة أم على أساتذتنا بالجامعة؟ الكل يدرك أن العلاقة بين طالب الأزهر وأساتذته هي علاقة روحية ونحن على استعداد تام لأن نقبل أيدهم ورؤوسهم، أم أنه استعراض على قوات الأمن أو كتائب الأمن المركزي التي تحاصر الجامعة ليل نهار؟.
ويؤكد أن طلاب الأزهر يرفضون العنف ولو كانوا يريدون ذلك لفعلوه أمام البلطجية أو عندما طردوا من المدينة الجامعية وحرموا من المبيت بها.
مطالب الطلاب
يشدد أحمد أنور الطالب بكلية الصيدلية نائب رئيس"الاتحاد الحر"أن برنامج الاتحاد يعبر عن كافة مطالب ومشكلات الطلبة، بداية من غياب ساحات التعبير عن الرأي، سواء من خلال الأسر أو الانتخابات الحرة، كما يعمل على محاولة توفير دعم مادي للطلبة الذين يعيش أكثر من 35% منهم تحت خط الفقر، من خلال محاولة توفير مساكن اقتصادية لإعاشة الطلبة المغتربين في ظل منع قوات الأمن لعشرات الشباب من حقهم في الانضمام إلى المدينة الجامعية؛ نظرا لانتمائهم إلى تيار معين.
ومن أهداف الاتحاد كذلك توفير الكتاب الجامعي أو دعمه بالاتفاق مع أعضاء هيئة التدريس، وأيضًا محاولة تثقيف شباب الجامعة، سواء على المستوى العلمي أو المجتمعي، وإنشاء صندوق للتكافل بين الطلبة لدعم ذوي الظروف القاسية وغيرها من الإشكاليات الغائبة عن أجندة إدارة الجامعات.
يؤكد الدكتور خيري حسان الأستاذ بكلية التربية بجامعة الأزهر، أن ما حدث في جامعة الأزهر أمر طبيعي ومسلسل متكرر منذ أكثر من 20 عاما، وقبل أن ننظر إلى تحليل المشكلة لا بد من رصد واقع الطلبة، خاصة أن الغالبية العظمى منهم شباب بائس يفتقد كل مؤهلات الحياة لا يجد التعليم أو الحرية ولا المال أو الزواج أو الحياة الكريمة، وهذا حال الجميع، وطلاب جامعة الأزهر نموذج من هؤلاء.
ويؤكد أن الطريقة التي عبر بها الطلبة عن غضبهم ما هي إلا اقتباس من أساليب النظام للتعامل معهم؛ فالضرب والعنف هي الوسيلة الأساسية لكبت الأصوات.
ومن جهته يرفض الدكتور أحمد عبد الله الطبيب النفسي تفسير ما قام به الطلاب بالعمل السياسي، مؤكدا أن الطلبة المصريين في الأساس لا يعرفون معنى السياسة ولا كيفية الاشتغال بها وليس هناك برنامج محدد يسيرون عليه.
ويضيف أن عملية الانتخابات والشطب ومجالس التأديب والمواقف غير المدروسة من الطلبة والاعتذار بعد ذلك والتأكيد على أن ما حدث تصرف غير مقصود ما هي إلا مسلسل متكرر يحتاج منا إلى وقفة لإعادة توجيه الطلبة وإرشادهم إلى كيفية رسم مستقبلهم والتخطيط له، من خلال خلق منظومة اجتماعية إدارية جماعية جديدة، لا تعمل بشكل فردي عشوائي كما هو سائد الآن.
ويعتبر الدكتور عبد الله أن غياب النسق الاجتماعي هو إحدى آليات المشكلة، وهو ما يخلق ما وصفه بعملية"العشوئة"، مطالبًا بضرورة خلق قنوات تدرب على النظام والتفكير بشكل سوي بعيدا عن تحدي السلطة وفكرة رد الفعل، تلك الفكرة القصيرة التي تودي بالشباب إلى ما آل إليه.
* تم اعتقال كل من الطالبين صهيب شوكت ومحمد الصنهاوي الخميس (14-12-2006) ، وذلك بعد عدة ساعات من مشاركتهما في التحقيق، بالإضافة إلى أكثر من 180 طالبًا من المدينة الجامعية بجامعة الأزهر، وعدد من قيادات جماعة الإخوان المسلمين، وذلك بحسب ما ذكره موقع إخوان أون لاين على الإنترنت
ــــــــــــــــــــ