فهرس الكتاب
ويسجل الرسول القائد المنتصر يوم فتح مكة أروع مثل في العفو والتواضع.. ثبت ذلك المبدأ لكل قائد منتصر للتعامل مع خصومه الذين حاربوه وأساؤوا إليه.. لقد دخل مكة فاتحًا منتصرًا يردد عبارات التسبيح والشكر والثناء لله سبحانه منزهًا عن الغرور واستعلاء المنتصر.. وصف المؤرخون دخوله مكة يوم الفتح فقالوا: (( دخل رسول الله( مكة يوم الفتح وذقنه على راحلته متخشعًا.. ) )8.
ووصفه ابن الأثير في مورد آخر بقوله:
(( ولما وصل رسول الله( إلى ذي طوى وقف على راحلته، وهو مُعتجر بِبُرد خز أحمر، وقد وضع رأسه تواضعًا لله تعالى، حين رأى ما أكرمه الله به {من الفتح} حتى إن أسفل لحيته ليمس واسطة الرحل.. ) )9.
لقد كان موقفه مثالًا عمليًا لقوله تعالى: ( إذا جاء نصر الله والفتح( ورأيت الناس يدخلون في دين الله افواجًا( فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا((النصر) .
لنقف بعد أربعة عشر قرنًا من الزمان، ونرصد جيوش الفتح ورايات النصر تخفق حول الحرم.. ورسول الله القائد الفاتح المنتصر على خصومه مطأطئًا رأسه بهيئة السجود والخضوع والشكر لله ، وقد عفا عن أهل مكة ونادى مناديه: اليوم يوم المرحمة، اليوم تحمى الحرمة.. من خلال التعامل مع ذلك الموقف تتجلى لنا عظمة الرسول ( وعظمة المبادئ الإسلامية في الحرب والسلم..ففي النصر تواضع ورحمة، وفي العسرة والضيق صبر وعزة، وإرادة لا تلين..
وينقل لنا المؤرخون موقف هذا القائد العظيم، وتعامله مع الإنسان الخائف المضطرب.. تعامل الإنسان مع الإنسان.. بعيدًا عن كبرياء السلطة، والتسلط على الآخرين ليؤكد في قوله وفعله أن القيادة الإسلامية عملية إنقاذ وهداية، ورعاية للإنسان.. في غمرة النصر وأحداث فتح مكة الصاخبة، وفي أجواء الخوف والرعب التي أشاعها طغاة مكة، جهد رسول( أن يشيع في أرجاء هذا البلد الآمن الطمأنينة والسلام، لتكون تلك السيرة هي المنهج والمنار لأمته، ولتكون درسًا وعبرة للأجيال..
نقل لنا من حضر يوم الفتح حادثة معبرة عن أخلاقية القائد المسلم، واسلوب تعامله مع الآخرين.. فعن إبن مسعود: (( أن رجلًا كلَّم رسول الله يوم الفتح فأخذته الرعدة، فقال {النبي(} : هوِّن عليك فإنّما أنا إبن إمرأة من قريش تأكل القديد.. ) )10.
ورواه آخرون بإضافة عبارة: (( لست بملك ) ).
(( هوِّن عليك لست بملك، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد ) )11.
ذلك هو الرسول( في خلقه وإنسانيتة، يؤكد للناس أن القائد المسلم ليس ملكًا، أي ليس جبارًا ولا متسلطًا على الناس، ولا محتجبًا عنهم بالكبرياء ومظاهر الارهاب.. إنه أحدهم.. إنه ابن إمرأة تعيش في مكة، كما يعيش الناس في حياتهم الاعتيادية، فلا مجال للخوف، بل جاء الإسلام لليشيع الأمن والسلام في ربوع الارض، ويأمن في ظله الناس على ارواحهم أموالهم وأعراضهم وكامل حقوقهم..
* البلاغ
1 )تفسير القرطبي، ج1، ص39.
2 )المجلسي، بحار الأنوار، ج19، ص28، باب فضل التدبر في القران.
3 )تاريخ اليعقوبي: ج2، ص17.
4 )البداية والنهاية، ج3، ص59-60.
5 )تاريخ اليعقوبي،ج2، ص56.
6 )تاريخ اليعقوبي،ج2،ص47 .
7 )الكامل في التاريخ، ج2، ص180-181.
8 )ابن الأثير، البداية والنهاية، ج4، ص335 .
9 )ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج2، ص246-247.
10 )ابن الأثر، البداية والنهاية، ج4، ص335.
11 )الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص16.
ــــــــــــــــــــ