الصفحة 2381 من 35630

إنّ النطق بالطّلاق هو تعبير عن العَزم النفسي المُبَيَّت على فُرقة الزوج لزوجته، والطلاق بذلك إنهاء لعقد الزوجية، وعدد مرّاته الثلاث هي مراحل لاختبار العلاقة الزوجية في مدى صلاحيتها للبقاء، رغم التوتُّر في النفوس وتكرار الأزمات. فعندما يقول الله ـ تعالى ـ: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ) (البقرة 229) . فإنّه يعطي فرصة بعد أخرى لمراجعة أحوال هذه العلاقة، وكشْف مدى ثباتها واهتزازها عند الأحداث.. وهي أحداث الخِلافات والنزاعات التي تنشأ عن المفارَقة في الطبائع. وهي مفارَقة قائمة.

ولكن قد يتغلب عليها بالحِكمة والفَهم الواقعيّ لحياة الإنسان أو بالمراجعة المُستمرّة للوضع الثنائي بين الطّبيعتين وما يتطلّبه من مُرونة وتعاون، بدلًا من التشدُّد والمحافظة على استقلال الذات، وعندما يقول ـ سبحانه ـ في بَقِيّة مراحل الطلاق: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْروفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (البقرة 229) . يُوضِّح، كما أن المرحلة الأخيرة هي فرصة للمراجعة، فرصةٌ كذلك لإنهاء عقد الزوجية؛ لأن الأمر يصل بهذه المراحل الثلاث إلى نقطة قد يبدو فيها للطرفينِ أن التفرِّقة هي السبيل الضروري ولكنه البغيض لكل منهما.

وبذلك يكون الطلاق إجراءً يتَّخذه الزوج للوصول إلى هذه الفرقة، وهو عمل إراديٌّ بحْتٌ، ليس فيه للإكراه، أو الانفعال أو الغفْلة مكان ومن أجل ذلك لا يقع طلاق المُكْرَه، أو السَّكران أو الغضبان.

ومجال الطلاق مجال إنسانيٌّ، ولذا مع حِلِّه ومشروعيتِه فإنه أبغضُ الحلال عند الله، ومعنى كون مجاله مجالًا إنسانيًّا أنه مجالُ جِدٍّ، وليس مجالُ عَبَثٍ ولَهْوٍ، وتهديد أي لا ينبغي أن يكون الطلاق عُرضة للحلف به، ولا وسيلة للتهديد عن طريقه.. ولحمْل الآخرين على قَبول أمر ما.

والسائل في سؤاله هنا في قَسَمه بالطلاق إمّا أن يكون قسمه به تعبيرًا عن غَضبه مِن جدَل زوجته معه، وإمّا أن يكون حملًا لها على قَبول رأيه مِن ترحيل الشَّغّالة إلى أهلها وفي كلا الأمرينِ لا مَضمون له يتصل بمعنى الطّلاق الحقيقي وهو التعبير عن الفُرقة المُبَيَّتة أو المُنْتوَية ، وقد يكون القصد مِن القسَم به هنا وضْع حَدٍّ للنقاش فيما كان بينه وبين زوجته في شئون الأولاد، وتفريغ الحياة اليومية بينهما مما يُكدِّرها لفترة أخرى من الوقت، ومع إنسانية هذا الهدف فلا ينبغي مع ذلك استخدام الطلاق في غير مَوْضعه ، والمُثَقّف ـ والمؤمِن كذلك ـ هو الذي يحتفظ للطلاق بحُرمته في الجديَّة، وبصوته عن أن يكون طريقًا لحمل الآخرين على قَبول أمر ما يُراد قَبوله، والمنطق هو الوسيلة الصحيحة والطبيعية للإقناع والاقتناع.

وقسَم السائل ـ إذن ـ بالطّلاق هنا ليس له موضوع، ولذا لا يَحمل أكثرَ من أنّه أداةُ إكراهٍ مُقنع.. ولا تقع به فُرقة في الزوجية، إن عادت الشَّغّالة إلى منزل الشغل.

والله أعلم .

ـــــــــــــــــــ

الفتوى: ... الطلاق المعلق على أكثر من شرط

تاريخ الفتوى: ... 14 رمضان 1425 / 28-10-2004

السؤال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت