فهرس الكتاب
وهذا الحديث أخذت به عائشة ، وأبى غيرها من أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يأخذن به ، مع أنّ عائشة روت عنه قال: « الرّضاعة من المجاعة » لكنّها رأت الفرق بين أن يقصد رضاعةً أو تغذيةً.
فمتى كان المقصود الثّاني لم يحرّم إلاّ ما كان قبل الفطام ، وهذا هو إرضاع عامّة النّاس.
وأمّا الأوّل فيجوز إن احتيج إلى جعله ذا محرمٍ.
وقد يجوز للحاجة ما لا يجوز لغيرها ، وهذا قول متوجّه.
وقال: رضاع الكبير تنتشر به الحرمة في حقّ الدّخول والخلوة إذا كان قد تربّى في البيت بحيث لا يحتشمون منه للحاجة ، وهو مذهب عائشة وعطاءٍ واللّيث.
18 -وقال المالكيّة: يشترط في التّحريم أن يرتضع في حولين أو بزيادة شهرٍ أو شهرين، وألاّ يفطم قبل انتهاء الحولين فطامًا يستغني فيه بالطّعام عن اللّبن ، فإن فطم واستغنى بالطّعام عن اللّبن ثمّ رضع في الحولين فلا يحرّم.
وقال أبو حنيفة: مدّة الرّضاع المحرّم حولان ونصف ولا يحرّم بعد هذه المدّة ، سواء أفطم في أثناء المدّة أم لم يفطم ، واحتجّ بقوله تعالى: «وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ» قال: فأثبت سبحانه الحرمة بالرّضاع مطلقًا عن التّعرّض لزمان الرّضاع ، إلاّ أنّه قام الدّليل على أنّ زمان ما بعد الحولين والنّصف ليس بمرادٍ ، فيعمل بإطلاقه فيما وراءه.
واستدلّوا بقوله تعالى: «وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا» أي: ومدّة كلٍّ منهما ثلاثون شهرًا.
«تحريم النّكاح بالرّضاع»
«أ - ما يحرم على الرّضيع»
19 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّه يحرم على الرّضيع من النّساء من يحرمن عليه من النّسب وهنّ السّبع اللاتي ذكرن في آية: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ» وهنّ الأمّهات والبنات ، والأخوات والعمّات ، والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت.
وقد ثبت تحريم الأمّ والأخت من الرّضاع بنصّ الكتاب قال تعالى: «وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ» ، وتحريم البنت بالتّبعيّة ، لأنّه إذا حرّمت الأخت فالبنت أولى.
أمّا سائر المحارم فقد ثبت تحريمهنّ بالسّنّة وهو قوله صلى الله عليه وسلم: « يحرم من الرّضاعة ما يحرم من النّسب » .
وثبتت المحرميّة لأنّها فرع على التّحريم فتحرّم المرضعة على الرّضيع ، لأنّها أمّه ، وآباؤها وأمّهاتها من النّسب أو الرّضاع أجداده وجدّاته.
فإن كان أنثى حرم على الأجداد نكاحها أو ذكرًا حرم عليه نكاح الجدّات.
وفروع المرضعة من الرّضاع كفروعها من النّسب ، فأولادها من نسبٍ أو رضاعٍ إخوته وأخواته ، سواء كانوا من صاحب اللّبن أو من غيره ، وسواء من تقدّمت ولادته عليه ومن تأخّرت عنه لأنّهم إخوته وأخواته ، لقوله تعالى: «وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ» فقد أثبت سبحانه وتعالى الحرمة والأخوّة بين بنات المرضعة وبين