فهرس الكتاب
طَائِفَةٌ: لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ , وَأَمَّا الرَّضَاعُ بَعْدَهُمَا فَلَا يُحَرِّمُ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ أَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَا رَضَاعَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ: أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا رَضَاعَ إلَّا فِي الْحَوْلَيْنِ . وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ , وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ الرَّضَاعَةِ ؟ فَقَالَا جَمِيعًا: كُلُّ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ قَطْرَةً وَاحِدَةً فَهِيَ تُحَرِّمُ , وَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَإِنَّمَا هُوَ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: سَمِعْت الشَّعْبِيَّ
يَقُولُ: مَا كَانَ مِنْ سَعُوطٍ , أَوْ وَجُورٍ أَوْ رَضَاعٍ فِي الْحَوْلَيْنِ فَهُوَ يُحَرِّمُ , وَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا . وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ , وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ , وَالشَّافِعِيِّ , وَأَبِي يُوسُفَ , وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ , وَأَبِي سُلَيْمَانَ , وَأَصْحَابِنَا . وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلُ ; لِأَنَّهُ هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْهُ فِي مَوْطِئِهِ الَّذِي قُرِئَ عَلَيْهِ إلَى أَنْ مَاتَ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ إرْضَاعُ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ يُحَرِّمُ كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ عَنْ أَبِي مُوسَى وَإِنْ كَانَ قَدْ رَجَعَ عَنْهُ . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ: أَنَّ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ مَوْلَى الْأَشْجَعِيِّ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: إنِّي أَرَدْت أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً وَقَدْ سَقَتْنِي مِنْ لَبَنِهَا وَأَنَا كَبِيرٌ تَدَاوَيْت بِهِ ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: لَا تَنْكِحُهَا وَنَهَاهُ عَنْهَا . وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَضَاعِ الْكَبِيرِ ؟ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ بِحَدِيثِ أَمْرِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ بِأَنْ تُرْضِعَ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ - وَهُوَ كَبِيرٌ - فَفَعَلَتْ , فَكَانَتْ تَرَاهُ ابْنًا لَهَا , قَالَ عُرْوَةُ: فَأَخَذَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَنْ كَانَتْ تُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنْ الرِّجَالِ فَكَانَتْ تَأْمُرُ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومٍ , وَبَنَاتِ أَخِيهَا
يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنْ الرِّجَالِ . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْت عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: سَقَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ لَبَنِهَا بَعْدَ مَا كُنْت رَجُلًا كَبِيرًا أَفَأَنْكِحُهَا ؟ قَالَ عَطَاءٌ: لَا , قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْتُ لَهُ: وَذَلِكَ رَأْيُك ؟ قَالَ: نَعَمْ , كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْمُرُ بِذَلِكَ بَنَاتِ أَخِيهَا - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَزُفَرَ , وَمَالِكٍ , فَلَا خَفَاءَ بِفَسَادِهَا , إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ فِي النَّهَارِ: إنَّهُ لَيْلٌ , مُكَابَرَةً وَنَصْرًا لِلْبَاطِلِ . وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا قَوْلُ بَعْضِ الْمَفْتُونِينَ: لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَاهُنَا حَوْلَيْنِ نَاقِصَيْنِ , وَأَشَارَ إلَى عَدَدِهَا بِالشَّمْسِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَجَمَعَ هَذَا الْقَوْلُ مُخَالَفَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَمُكَابَرَةَ الْحِسِّ: أَمَّا مُخَالَفَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهُ يَقُولُ: { إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } . فَنَصَّ تَعَالَى عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَهُ هِيَ الَّتِي مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ , وَأَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ , وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الدِّينُ الْقَيِّمُ , وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ إلَّا فِي الْأَشْهُرِ الْعَرَبِيَّةِ