فهرس الكتاب
الْقَمَرِيَّةِ , فَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَ الدِّينَ الْقَيِّمَ , وَنَسَبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الْكَذِبَ مِنْ أَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُرَاعَى عَدَدَ الْحَوْلَيْنِ بِالْعَجَمِيَّةِ . وَأَمَّا مُكَابَرَةُ الْعِيَانِ - فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَوْلَيْنِ الْأَعْجَمِيَّيْنِ الْمَعْدُودَيْنِ بِالشَّمْسِ وَقَطْعِهِمَا لِلْفُلْكِ وَبَيْنَ الْحَوْلَيْنِ الْعَرَبِيَّيْنِ الْمَعْدُودَيْنِ بِالْقَمَرِ إلَّا اثْنَانِ وَعِشْرُونَ يَوْمًا , فَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ إلَى تَمَامِ شَهْرَيْنِ لَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَتَتْ , وَالْقَطْعُ بِالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ فِي دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمِثْلِ هَذَا لَا يَحِلُّ . وَأَمَّا مَنْ حَدَّ ذَلِكَ بِمَا كَانَ فِي الْمَهْدِ - فَكَلَامٌ أَيْضًا لَا تَقُومُ بِصِحَّتِهِ حُجَّةٌ لَا مِنْ قُرْآنٍ , وَلَا مِنْ سُنَّةٍ , وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ , وَلَا مِنْ قِيَاسٍ , وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ - فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ . وَأَمَّا مَنْ حَدَّ ذَلِكَ بِمَا كَانَ فِي الصِّغَرِ - فَإِنَّ الصِّغَرَ يَتَمَادَى إلَى بُلُوغِ الْحُلُمِ ; لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَا تَلْزَمُهُ الْحُدُودُ , وَلَا الْفَرَائِضُ - وَهَذَا حَدٌّ لَا يُوجِبُهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ . وَأَمَّا مَنْ حَدَّ ذَلِكَ بِالْفِطَامِ - فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: { فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ فِي التَّحْرِيمِ إذْ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرٌ , وَلَا فِي تَرَاضِيهِمَا بِالْفِصَالِ تَحْرِيمٌ ; لَأَنْ يَرْتَضِعَ الْوَلَدُ بَعْدَ ذَلِكَ , إنَّمَا فِيهَا انْقِطَاعُ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْأَبِ فِي
الرَّضَاعِ , وَلَيْسَ بِانْقِطَاعِ حَاجَةِ الصَّبِيِّ إلَى الرَّضَاعِ يَنْقَطِعُ التَّحْرِيمُ بِرَضَاعِهِ - إنْ رَضَعَ - إذْ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ قُرْآنٌ , وَلَا سُنَّةٌ . وَاحْتَجُّوا بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَا أَبُو عَوَانَةَ أَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم { لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ فِي الثَّدْيِ , وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ } . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا خَبَرٌ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْمُنْذِرِ لَمْ تَسْمَعْ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ أَسَنُّ مِنْ زَوْجِهَا هِشَامٍ بِاثْنَيْ عَشْرَ عَامًا وَكَانَ مَوْلِدُ هِشَامٍ سَنَةَ [ 60 هـ ] سِتِّينَ , فَمَوْلِدُ فَاطِمَةَ عَلَى هَذَا سَنَة [ 48 هـ ] ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ , وَمَاتَتْ أُمُّ سَلَمَةَ سَنَةَ [ 59 هـ ] تِسْعٍ وَخَمْسِينَ , وَفَاطِمَةُ صَغِيرَةٌ لَمْ تَلْقَهَا , فَكَيْفَ أَنْ تَحْفَظَ عَنْهَا , وَلَمْ تَسْمَعْ مِنْ خَالَةِ أَبِيهَا عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ شَيْئًا - وَهِيَ فِي حِجْرِهَا - إنَّمَا أَبْعَدُ سَمَاعِهَا مِنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رضي الله عنهم . وَمَوَّهُوا أَيْضًا - بِخَبَرَيْنِ سَاقِطَيْنِ -: أَحَدُهُمَا - مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: { لَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِصَالِ } . وَالْآخَرُ - مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ أَيْضًا عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدٍ ابْنَيْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ كَلَامًا كَثِيرًا وَفِيهِ: وَلَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِطَامِ . وَهَذَانِ خَبَرَانِ لَا يَجُوزُ التَّشَاغُلُ بِهِمَا ; لِأَنَّ جُوَيْبِرًا سَاقِطٌ , وَالضَّحَّاكَ ضَعِيفٌ وَحَرَامَ بْنَ عُثْمَانَ هَالِكٌ بِمُرَّةٍ - فَسَقَطَ كُلُّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . وَسَقَطَتْ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا إلَّا قَوْلَ مَنْ رَاعَى الْحَوْلَيْنِ , وَقَوْلَ مَنْ لَمْ يُرَاعِ فِي ذَلِكَ حَدًّا أَصْلًا , فَنَظَرْنَا فِيمَنْ رَاعَى الْحَوْلَيْنِ فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا } . وَبِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } . وَبِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } . فَقَالُوا: قَدْ قَطَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ فِصَالَ الرَّضِيعِ فِي عَامَيْنِ , وَأَنَّ رَضَاعَهُ حَوْلَانِ كَامِلَانِ ; لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ . قَالُوا: فَلَا رَضَاعَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ أَصْلًا ; لِأَنَّ الرَّضَاعَةَ قَدْ تَمَّتْ , وَإِذَا انْقَطَعَ الرَّضَاعُ