فهرس الكتاب
وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَلَمْ يَقُلْ تَعَالَى فِي حَوْلَيْنِ وَلَا فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ زَائِدًا عَلَى الْآيَاتِ الْأُخَرِ , وَعُمُومًا لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ إلَّا بِنَصٍّ يُبَيِّنُ أَنَّهُ مُخَصِّصٌ لَهُ لَا بِظَنٍّ , وَلَا بِمُحْتَمَلٍ لَا بَيَانَ فِيهِ . وَكَانَتْ هَذِهِ الْآثَارُ قَدْ جَاءَتْ مَجِيءَ التَّوَاتُرِ رَوَاهَا نِسَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم كَمَا أَوْرَدْنَا , وَسَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ وَزَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ . وَرَوَاهُ مِنْ التَّابِعِينَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ , وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ , وَحُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ . وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الزُّهْرِيِّ , وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ , وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ , وَيَحْيَى ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ , وَرَبِيعَةُ . وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ , وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , وَشُعْبَةُ , وَمَالِكٌ , وَابْنُ جَرِيرٍ , وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ , وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ
, وَجَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ , وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ , وَمَعْمَرٌ , وَغَيْرُهُمْ . وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ النَّاسِ: الْجَمَّاءُ الْغَفِيرُ , فَهُوَ نَقْلُ كَافَّةٍ لَا يَخْتَلِفُ مُؤَالِفٌ وَلَا مُخَالِفٌ فِي صِحَّتِهِ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ الِاعْتِرَاضِ إلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: هُوَ خَاصٌّ لِسَالِمٍ كَمَا قَالَ بَعْضُ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلْيَعْلَمْ مَنْ تَعَلَّقَ بِهَذَا أَنَّهُ ظَنٌّ مِمَّنْ ظَنَّ ذَلِكَ مِنْهُنَّ - رضي الله عنهن - . وَهَكَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُنَّ قُلْنَ: مَا نَرَى هَذَا إلَّا خَاصًّا لِسَالِمٍ , وَمَا نَدْرِي لَعَلَّهُ رُخْصَةٌ لِسَالِمٍ , فَإِذْ هُوَ ظَنٌّ بِلَا شَكٍّ , فَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُعَارَضُ بِالسُّنَنِ قَالَ تَعَالَى: { إنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا } . وَشَتَّانَ بَيْنَ احْتِجَاجِ أُمِّ سَلَمَةَ - رضي الله عنها - بِاخْتِيَارِهَا وَبَيْنَ احْتِجَاجِ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ , وَقَوْلُهَا لَهَا: أَمَا لَك فِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ؟ وَسُكُوتُ أُمِّ سَلَمَةَ يُنْبِئُ بِرُجُوعِهَا إلَى الْحَقِّ عَنْ احْتِيَاطِهَا . وَمِنْ أَعْجَبِ الْعَجَائِبِ أَنَّ الْمُخَالِفِينَ لَنَا هَاهُنَا يَقُولُونَ: إنَّ الْمُرْسَلَ كَالْمُسْنَدِ , وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إذَا أَرْضَعْنَ الْكَبِيرَ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ , فَكَانَ ذَلِكَ لَهُنَّ خَاصَّةً . وَقَالَ آخَرُونَ: هَذَا مَنْسُوخٌ بِنَسْخِ التَّبَنِّي . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ بِيَقِينٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي نَصٍّ ثَابِتٍ: هَذَا مَنْسُوخٌ , إلَّا بِنَصٍّ
ثَابِتٍ مُبَيَّنٍ غَيْرِ مُحْتَمَلٍ , فَكَيْفَ وَقَوْلُ سَهْلَةَ - رضي الله عنها - لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ ؟ بَيَانٌ جَلِيٌّ ; لِأَنَّهُ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَاتِ وَبِالْيَقِينِ نَدْرِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ خَاصَّةً لِسَالِمٍ , أَوْ فِي التَّبَنِّي الَّذِي نُسِخَ لَبَيَّنَهُ عليه الصلاة والسلام كَمَا بَيَّنَ لِأَبِي بُرْدَةَ فِي الْجَذَعَةِ إذْ قَالَ لَهُ تُجْزِئُك وَلَا تُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَك . وَقَالَ بَعْضُ مَنْ لَا يَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى فِيمَا يُطْلِقُ بِهِ لِسَانَهُ: كَيْفَ يَحِلُّ لِلْكَبِيرِ أَنْ يَرْضِعَ ثَدْيَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا اعْتِرَاضٌ مُجَرَّدٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي أَمَرَ بِذَلِكَ , وَالْقَائِلُ بِهَذَا لَا يَسْتَحْيِ مِنْ أَنْ يُطْلِقَ: أَنَّ لِلْمَمْلُوكَةِ أَنْ تُصَلِّيَ عُرْيَانَةً يَرَى النَّاسُ ثَدْيَيْهَا وَخَاصِرَتَهَا , وَأَنَّ لِلْحُرَّةِ أَنْ تَتَعَمَّدَ أَنْ تَكْشِفَ مِنْ شَفَتَيْ فَرْجِهَا مِقْدَارَ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ تُصَلِّي كَذَلِكَ وَيَرَاهَا الصَّادِرُ وَالْوَارِدُ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ , وَأَنْ تَكْشِفَ أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ بَطْنِهَا كَذَلِكَ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عَدَمِ الْحَيَاءِ وَقِلَّةِ الدِّينِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: { إنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ } حُجَّةٌ لَنَا بَيِّنَةٌ ; لِأَنَّ لِلْكَبِيرِ مِنْ الرَّضَاعَةِ فِي طَرْدِ الْمَجَاعَةِ نَحْوَ مَا لِلصَّغِيرِ , فَهُوَ عُمُومٌ لِكُلِّ رَضَاعٍ إذَا بَلَغَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم . قَالَ عَلِيٌّ: فَصَحَّ أَنَّ عَائِشَةَ رضي