فهرس الكتاب
وَالِابْنِ وَأُمّ الْمَرْأَةِ وَابْنَتُهَا مِنْ النّسَبِ حَرُمْنَ بِالرّضَاعَةِ . وَإِذَا حَرُمَ الْجَمْعُ بَيْنَ أُخْتَيْ النّسَبِ حَرُمَ بَيْنَ أُخْتَيْ الرّضَاعَةِ هَذَا تَقْدِيرُ احْتِجَاجِهِمْ عَلَى التّحْرِيمِ . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ اللّهُ سُبْحَانَهُ حَرّمَ سَبْعًا بِالنّسَبِ وَسَبْعًا بِالصّهْرِ كَذَا قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ . قَالَ وَمَعْلُومٌ أَنّ تَحْرِيمَ الرّضَاعَةِ لَا يُسَمّى صِهْرًا وَإِنّمَا يَحْرُمُ مِنْهُ مَا يَحْرُمُ مِنْ النّسَبِ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ يَحْرُمُ مِنْ الرّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ وَفِي رِوَايَةٍ مَا يَحْرُمُ مِنْ النّسَبِ وَلَمْ يَقُلْ وَمَا يَحْرُمُ بِالْمُصَاهَرَةِ وَلَا ذَكَرَهُ اللّهُ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ كَمَا ذَكَرَ تَحْرِيمَ الصّهْرِ وَلَا ذَكَرَ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ فِي الرّضَاعِ كَمَا
ذَكَرَهُ فِي النّسَبِ وَالصّهْرُ قَسِيمُ النّسَبِ وَشَقِيقُهُ قَالَ اللّهُ تَعَالَى: { وَهُوَ الّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا } [ الْفُرْقَانِ: 54 ] فَالْعَلَاقَةُ بَيْنَ النّاسِ بِالنّسَبِ وَالصّهْرِ وَهُمَا سَبَبَا التّحْرِيمِ وَالرّضَاعُ فَرْعٌ عَلَى النّسَبِ وَلَا تُعْقَلُ الْمُصَاهَرَةُ إلّا بَيْنَ الْأَنْسَابِ وَاَللّهُ تَعَالَى إنّمَا حَرّمَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمّتِهَا وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا لِئَلّا يُفْضِيَ إلَى قَطِيعَةِ الرّحِمِ الْمُحَرّمَةِ . وَمَعْلُومٌ أَنّ الْأُخْتَيْنِ مِنْ الرّضَاعِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ مُحَرّمَةٌ فِي غَيْرِ النّكَاحِ وَلَا تَرَتّبَ عَلَى مَا بَيْنَهُمَا مِنْ أُخُوّةِ الرّضَاعِ حُكْمٌ قَطّ غَيْرُ تَحْرِيمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ وَلَا يَرِثُهُ وَلَا يَسْتَحِقّ النّفَقَةَ [ ص 497 ] الْوَصِيّةِ وَالْوَقْفِ عَلَى أَقَارِبِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ وَلَا يَحْرُمُ التّفْرِيقُ بَيْنَ الْأُمّ وَوَلَدِهَا الصّغِيرِ مِنْ الرّضَاعَةِ وَيَحْرُمُ مِنْ النّسَبِ وَالتّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا فِي الْمِلْكِ كَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي النّكَاحِ سَوَاءٌ وَلَوْ مَلَكَ شَيْئًا مِنْ الْمُحَرّمَاتِ بِالرّضَاعِ لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ وَإِذَا حُرّمَتْ عَلَى الرّجُلِ أُمّهُ وَبِنْتُهُ وَأُخْتُهُ وَعَمّتُهُ وَخَالَتُهُ مِنْ الرّضَاعَةِ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَحْرُمَ عَلَيْهِ أُمّ امْرَأَتِهِ الّتِي أَرْضَعَتْ امْرَأَتَهُ فَإِنّهُ لَا نَسَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَلَا مُصَاهَرَةَ وَلَا رَضَاعَ وَالرّضَاعَةُ إذَا جُعِلَتْ كَالنّسَبِ فِي حُكْمٍ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهُ فِي كُلّ حُكْمٍ بَلْ مَا افْتَرَقَا فِيهِ مِنْ الْأَحْكَامِ
أَضْعَافُ مَا اجْتَمَعَا فِيهِ مِنْهَا وَقَدْ ثَبَتَ جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ اللّتَيْنِ بَيْنَهُمَا مُصَاهَرَةٌ مُحَرّمَةٌ كَمَا جَمَعَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَعْفَرٍ بَيْنَ امْرَأَةِ عَلِيّ وَابْنَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا . وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَحْرِيمٌ يَمْنَعُ جَوَازَ نِكَاحِ أَحَدِهَا لِلْآخَرِ لَوْ كَانَ ذَكَرًا فَهَذَا نَظِيرُ الْأُخْتَيْنِ مِنْ الرّضَاعَةِ سَوَاءٌ لَأَنّ سَبَبَ تَحْرِيمِ النّكَاحِ بَيْنَهُمَا فِي أَنْفُسِهِمَا لَيْسَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَجْنَبِيّ مِنْهُمَا الّذِي لَا رِضَاعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا وَلَا صِهْرَ وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ . وَاحْتَجّ أَحْمَدُ بِأَنّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ جَعْفَرٍ جَمَعَ بَيْنَ امْرَأَةِ عَلِيّ وَابْنَتِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ قَالَ الْبُخَارِيّ: وَجَمَعَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيّ بَيْنَ بِنْتَيْ عَمّ فِي لَيْلَةٍ وَجَمَعَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَعْفَرٍ بَيْنَ امْرَأَةِ عَلِيّ وَابْنَتِهِ وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ لَا بَأْسَ بِهِ وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ مَرّةً ثُمّ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ . وَكَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ لِلْقَطِيعَةِ وَلَيْسَ فِيهِ تَحْرِيمٌ لِقَوْلِهِ عَزّ وَجَلّ { وَأُحِلّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } [ النّسَاءِ 24 ] هَذَا كَلَامُ الْبُخَارِيّ .
[ ص 498 ] نِسَاءُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هُنّ أُمّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ فِي التّحْرِيمِ وَالْحُرْمَةِ فَقَطْ لَا فِي الْمَحْرَمِيّةِ فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَخْلُوَ بِهِنّ وَلَا يَنْظُرَ إلَيْهِنّ بَلْ قَدْ أَمَرَهُنّ اللّهُ بِالِاحْتِجَابِ عَمّنْ حُرِمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهُنّ مِنْ غَيْرِ أَقَارِبِهِنّ وَمَنْ بَيْنَهُنّ وَبَيْنَهُ رَضَاعٌ فَقَالَ تَعَالَى: { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } [ الْأَحْزَابِ 53 ] ثُمّ هَذَا الْحُكْمُ لَا يَتَعَدّى إلَى أَقَارِبِهِنّ الْبَتّةَ فَلَيْسَ بَنَاتُهُنّ أَخَوَاتُ الْمُؤْمِنِينَ يَحْرُمْنَ عَلَى رِجَالِهِمْ وَلَا بَنُوهُنّ إخْوَةٌ لَهُمْ يَحْرُمُ عَلَيْهِنّ بَنَاتُهُنّ وَلَا أَخَوَاتُهُنّ وَأَخَوَاتُهُنّ خَالَاتٍ