فهرس الكتاب
العَمَّاتُ والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت. ومعنى هذا أن كل ما تحقَّق بينهما بالرضاع عنوان صنف مِن هذه الأصناف، كان الرضاع محرمًا بينهما، وعليه يحرُم بالرَّضاع الأمهاتُ والبنات والأخوات والعمَّات والخالات، وبنات الأخ وبنات الأُخت.
القدْر المُحَرِّمُ من الرضاع:
وكذلك يجدر بنا أن نُجمل مذاهب العلماء في قدْر الرضاع الذي يُحرم الزواج بين الرضيعينِ. وقد كثُرت المذاهب في هذه المسألة تبعًا لاختلاف النظر في الآية مع الأحاديث التي وردتْ في قدْر الرضاع، فمِن الأئمة مِن رأَى أن قليل الرضاع ـ ولو قَطْرة واحدة تصل إلى الجوْف ـ وكثيرُه سواء في التحريم، ومنهم مَن رأى أن المُحرِّم ثلاث رضعات فأكثر، ومنهم من رأى أن المحرِّم خمس رضعات فأكثر، ومنهم مَن رأى أن المُحرِّم سبْع رضعات، وهكذا إلى خمس عشرة رضعة، وكان مَنْشَأُ هذا الخلاف كثرة الأحاديث المُتعارضة في هذا الشأن، وحُكم كل ذي رأيٍ في الرضاع ما صحَّ عنده من الأحاديث.
دلالة كلمة أمهاتكم في الآية:
ولكن لم نَرَ منهم مَن عرَّج نحو دلالة كلمة: (وأُمَّهَاتُكمْ اللاتي أرْضَعْنَكُمْ) ، على قدْر الرضاع المُحرم. ولا شك أن عنوان:"الأمهات"يُعطي أن مدة الرضاعة امتدت وقتًا شعرت منه المُرضعة بمَعنى الأُمومة للرضيع، ولا شك أن هذا الوقت ـ الذي يتحقَّق به معنى العطف والحُنُوُّ والشوْق من المُرضعة للرضيع ـ ليس هو وقت"القطرة"ولا هو"وقت ثلاث رضعات"، ولا هو وقت:"خمس رضعات"، وخاصة إذا قدَّرنا أن الرضاع المُحرم هو ما يكون في حولينِ أو أكثر، كما يذهب إليه بعض العلماء.
فالخمس رضعات، أو الرضعات المعدودات، لا يُمكن أن تُحدث معنى الأمومة عند المُرضعة، متى لُوحظ تفرُّقها على الحولينِ أو أكثر منهما. وهذه ناحية أَعرضها للبحث الذي يُستعان فيه برأي الأطباء الواقفينَ على المقدار الذي يَنْبُتُ فيه اللحم، وينشز العظم. ونرجو أن يصل العلماء إلى ما يَرفع اختلاف المعنيينِ في هذه المسألة التي كثيرًا ـ كما رأيت بنفسي ـ ما تُحدث عُقَدًا نفسية بين الزوجين، حينما يُخبَرانِ بأن فلانةً أرضعتهما.
وإذا كان جمهور العلماء اليوم يُفتون برأي الشافعية ـ نظرًا إلى أنه المتوسط بين الآراء، وهو أن المقدار المُحرِّم"خمس رضعات فأكثر"ـ فإن كثيرًا من المُفتين الذين يَسألون يُزعجون الأُسر الهادئة بأن قليل الرضاع وكثيره سواء في التحريم، والواقع أن مسألة التحريم بالرَّضاع على الوجه المذكور به في الكتب في حاجة إلى التمحيص، واختيار الأوْفق والأيسر والأبعد عمَّا يُثير في نفوس الأسَر الزعزعة والاضطراب.
اتِّحادُ زمن الرضاعة
وإذا تجاوزنا المقدار المُحرِّم في الرضاع أو اخترنا مذْهب الشافعي فيه، وقلنا: إن المُحرِّم هو خمس رضعات فأكثر، فإن التحريم يثبت بين الرضيعينِ من المرضعة الواحدة، سواء اتَّحَد زمنُ رضاعتهما منها أم اختلف، وسواء أكان زوج المرضعة