فهرس الكتاب
السؤال الثامن: يقوم الأطباء الآن باختيار جنس الجنين عن طريقة دراسة مواصفات الحيوانات المنوية الذَّكَرِيَّة والحيوانات المنوية الأُنْثوية، وعزل الحيوان المطلوب لتلقيح بويضة الزوجة به، والسبب في محاولات تحديد جنس الجنين مُسْبقًا يكون غالبًا؛ لأن بعض الأمراض الوراثية لدى الزوجين يتوارثها الذُّكُور فقط، فيحاول الزوجان تَفادِي إنجاب الذُّكور، تَفاديًا لولادة أطفال مُعوَّقين أو مُشوَّهين بدرجة كبيرة، وفي بعض الأحوال يكون الزوجان قد أنجَبَا عدة ذكور ويُريدان إنجاب أنْثى أو العكس، فيلجأن إلى الطب لإنجاب ما يُريدان، فما هو الحُكْم في ذلك؟ وهل يُعْتَبر تدخُّلًا في الإرادة الإلهية واعتداءً على التوازن البشري، أم هو مجرد استغلال لما هو مُتَاحٌ من خَلْق الله؟
والجواب: قضية التحكم في جنس الجنين شغلت العالم قديمًا وحديثًا، ولهم في ذلك طرق متعددة وأغراض متنوعة، والمدار في الحكم على ذلك هو اتِّباع النص إن وُجِد، فإن لم يُوجَد كان المدار على معرفة الغاية والوسائل المتَّبعة لبلُوغها، فيحرِّم الحرام ويُحلُّ الحلال من ذلك، ومعلوم أن الله سبحانه خلق آدم وخلق له حواء، وذلك من أجل التناسُل وعمارة الكون، والتنوُّع لا بد منه لحركة الحياة، قال تعالى: ( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (سورة الذاريات:49) ، والتناسب بين نوعَيِ الذُّكورة والأُنوثة مطلوب، وطُغيان أحدهما على الآخر ليس من المصلحة. والناس من قديم الزمان وقبْل مَجِيء الإسلام يُؤْثِرون الذَّكر على الأنثى لعوامل تتناسب مع أغراضهم وظروف حياتهم، ونظرًا لما كان عليه العربُ قبل الإسلام من تفضيل الذَّكر على الأنثى وما أدَّى إليه من وأْد البنات وحرمانهنَّ من كثير من الحقوق، جاء قول الله تعالى: (لله مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ. أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) (سورة الشورى:49،50)
وعلى الرغم من تقرير الإسلام لذلك ما تَزَال المحاولات جادَّةً في هذا السبيل، ويتلخَّص موقف الدِّين منها فيما يأتي:
1-إذا كانت المحاولات يسيطر عليها الغُرور بالعلم لحَلِّ المشْكلات وعدم الإيمان بأن إرادة الله غالبة، كما هو شأن المادِّيين، كانت مُحَرَّمة باتفاق؛ لأنَّها إنْ لم تكن كفرًا فهي تؤدِّي إليه.
2-وإذا كانت المحاولات تحْت مَظَلَّة الإيمان بالله، واستغلال الفُرَص المُتاحة للخير، لمُجَرَّد أنَّها أسباب ومقدِّمات، والآثَار والنَّتائج مرْهُونة بإِرادة الله، كالتَّدَاوي من الأمراض مع الإيمان بأن الشفاء هو من الله- فيُنْظَر إلى أمرين، الأول الهدف والغرض والنية الباعثة على ذلك، والثَّاني الأسباب والوسائل التي يُتَوصَّل بها إلى تحقيق الأهداف؛ ذلك لأن الأعمال بالنيات، والوسائل تُعْطي حكم المقاصد، والأمثلة على ذلك كثيرة، واقتصارًا على موضوع السؤال نقول:
أ ـ إذا كان الغَرَض من هذه العملية تجنب وراثة بعض الأمراض في الذكور أو الإناث، وكان ذلك بطريقة علمية مؤكَّدة ليس فيها ارتكاب مُحَرَّم فلا أرى مانعًا من ذلك؛ لأن الوقاية خير من العلاج. والقرآن ينْهانا عن الإلقاء بأيدينا إلى التَّهْلكة، والحديث يُحذِّرنا من العدوى والتعرُّض لها، فلا ندخل بَلدًا سَمِعْنا أن فيه طاعُونًا،