فهرس الكتاب
حسبما مضى من القول كان انتقال بعض الآفات الجسدية والنفسية والعقلية من الأصول إلى الفروع حقيقة واقعة لا مراء فيها .
وقد أثبت العلم بوسائله الحديثة أن أنواعا من الأمراض تنتقل من المصاب بها إلى سلالته، وأنها إذا تخطت الولد ظهرت في ولد الولد أو في الذرية من بعده، فالوراثة بانتقال بعض الأمراض والطباع والصفات من الأصول إلى الفروع والأحفاد صارت واقعا مقطوعا به، أو على الأقل ظنا راجحا بالاستقراء والتجارب ، وإذا كان انتقال بعض الأمراض والعيوب الجسدية وارثة من الأصول للفروع على هذا الوجه من الثبوت الشرعى والعلمى، فهل يجوز التعقيم نهائيا بمعنى منع الصلاحية للإنجاب لمن يثبت إصابته من الزوجين أو كليهما بمرض لا برء منه وكان من خصائصه وسماته الانتقال بالوراثة وهل يجوز الإجهاض بمعنى إسقاط الجنين إذا اكتشفت عيوبه الخطيرة التى لا تتلاءم مع الحياة العادية وهل يجوز الإجهاض إذا كانت هذه العيوب يمكن أن يعيش بها الجنين بعد ولادته حياة عادية وهل يجوز الإجهاض إذا كانت العيوب من الممكن علاجها طبيا أو جراحيا أولا يمكن علاجها حاليا ثم العيوب التى تورث من الأب أو الأم للأجنة الذكور فقط للإناث فقط، هل يجوز الإبقاء على السليم وإجهاض المعيب للإجابة على هذه التساؤلات نعود إلى القرآن الكريم وإلى السنة الشريفة فلا نجد في أى منهما نصا خاصا صريحا يحرم التعقيم، بمعنى جعل الإنسان ذكرا كان أو أنثى غير صالح للإنجاب نهائيا وبصفة مستمرة بجراحة أو بدواء أو بأية وسيلة أخرى، لكن النصوص العامة فيهما تأباه وتحرمه بهذا المعنى، وإعمالا لهذه النصوص قال جمهور الفقهاء إن تقيم الإنسان محرما شرعا إذا لم تدع إليه الضرورة، وذلك لما فيه من تعطيل الإنسال المؤدى إلى إهدار ضرورة المحافظة على النسل وهى إحدى الضرورات الخمس التى جعلها الإسلام من مقاصده الأساسية في تشريع أحكامه ( الموافقات للشاطبى ج - 2 ص 8 وما بعدها في مقاصد الشريعة ) أما إذا وجدت ضرورة داعية لتعقيم إنسان، كما إذا كان به مرض عقلى أو جسدى أو نفسى مزمن عصى على العلاج والدواء، وهو فى
الوقت نفسه ينتقل إلى الذرية عن طريقة الوراثة، جاز لمن تأكدت حالته المرضية بالطرق العلمية والتجريبية أن يلجأ إلى التعقيم الموقوت، لدفع الضرر القائم فعلا، المتيقن حدوثه إذا لم يتم التعقيم، وذلك باتخاذ دواء أو أى طريق من طرق العلاج لإفساد مادة اللقاح أو بإذهاب خاصيتها، سواء في هذا الذكر والأنثى، ونعنى بإباحة التعقيم الموقوت أن يمكن رفع هذا التعقيم واستمرار الصلاحية للإنجاب متى زال المرض .
وإلى مثل هذا المعنى أشار الفقهاء في كتبهم .
فقد نقل ابن عابدين ( ج - 2 ص 412 ) فى حاشية رد المحتار على الدر المختار في الفقه الحنفى عن صاحب البحر (أنه يجوز للمرأة أن تسد فم الرحم منعا من وصول ماء الرجل إليه لأجل منع الحمل، واشترط صاحب البحر لذلك إذن زوجها) .