فهرس الكتاب
فإن لم يعد القاضي لعان المرأة وفرّق بين الزّوجين نفذ قضاؤُه بالفرقة لأنّه قضاء في محلٍّ مجتهدٍ فيه , والقضاء إذا صدر في محلٍّ مجتهدٍ فيه يكون نافذًا .
«ما يجب عند امتناع الزّوج عن اللّعان»
19 -قال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة: إذا امتنع الزّوج عن اللّعان لا يحبس ولكن يحد حدّ القذف هذا في الجملة .
وقال المالكيّة: إن امتنع الزّوج عن اللّعان فعليه الحد إن كانت الزّوجة حرّةً مسلمةً , فإن كانت الزّوجة أمةً أو ذمّيّةً فعليه الأدب .
وقال الحنفيّة: إذا طلب القاضي من الزّوج الملاعنة فامتنع حبسه حتّى يلاعن أو تصدّقه المرأة فيما ادّعاه , أو يكذّب نفسه فيحد حدّ القذف .
وهذا الخلاف مبني على اختلافهم في الموجب الأصليّ لقذف الزّوج امرأته أهو اللّعان أو الحد واللّعان مسقط له ؟
فعند الجمهور الموجب الأصلي للقذف هو الحد , واللّعان مسقط له لقول اللّه تعالى: « وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً » فإنّه أوجب الحدّ على كلّ قاذفٍ سواء أكان زوجًا أم غيره , ثمّ جاء قوله تعالى: « وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إََِلا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ » الآيات مبيّنًا أنّ القاذف إن كان زوجًا فله أن يدفع الحدّ عنه باللّعان , فإذا امتنع عنه ثبت الموجب الأصلي وهو الحد .
وعند الحنفيّة الموجب الأصلي للقذف هو اللّعان , فإذا امتنع الزّوج عنه حبس حتّى يلاعن أو يكذّب نفسه فيحد حدّ القذف , وذلك لقول اللّه تعالى: « وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إََِلا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ » إلى قوله: « إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ » فإنّه تعالى جعل موجب قذف الزّوج لزوجته إذا لم يأت بأربعة يشهدون على صحّة قذفه اللّعان فقط , بعد أن كان موجبه الحدّ بمقتضى عموم الآية الّتي قبل هذه الآيات , وهي قوله تعالى: « وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً » , وبذلك صارت آية القذف منسوخةً في حقّ الأزواج , بناءً على أنّ الأصل المقرّر عند الحنفيّة: أنّ الخاصّ إذا تأخّر وروده عن العامّ كان ناسخًا للعامّ فيما تعارضا فيه , وهو هنا الأزواج , فإنّ آية اللّعان , تأخّر نزولها عن آية القذف وإن كانت مذكورةً عقبها في المصحف , والدّليل على ذلك ما روي عن عبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنه أنّه قال: « إنّا ليلة الجمعة في المسجد , إذ جاء رجل من الأنصار فقال: لو أنّ رجلًا وجد مع امرأته رجلًا وتكلّم جلدتموه , أو قتل قتلتموه , وإن سكت سكت على غيظٍ , واللّه لأسألنّ عنه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، فلمّا كان في الغد أتى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فسأله , فقال: لو أنّ رجلًا وجد مع امرأته رجلًا فتكلّم جلدتموه , أو قتل قتلتموه , أو سكت سكت على غيظٍ , فقال: اللّهمّ افتح ، وجعل يدعو فنزلت آية اللّعان » .
فإنّ قوله: « وإن تكلّم جلدتموه » يدل على أنّ موجب قذف الزّوجة كان الجلد قبل نزول آية اللّعان ثمّ صار بعد نزول الآية الخاصّة بالأزواج اللّعان , وبهذا كان الواجب بقذف الزّوج الزّوجة هو اللّعان , فإذا امتنع الزّوج عنه حبس حتّى يلاعن ,