فهرس الكتاب
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلْمُتَلاَعِنَيْنِ: حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ لاَ سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا
قال أبو محمد رحمه الله: قَدْ رَوَيْته ، عَنْ سُفْيَانَ , قَالَ سُفْيَانُ حَفِظْته مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: فَتَفْرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُغْنِي ، عَنْ تَفْرِيقِ كُلِّ حَاكِمٍ بَعْدَهُ. وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: لاَ سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا مَنَعَ مِنْ أَنْ يَجْتَمِعَا أَبَدًا بِكُلِّ وَجْهٍ , وَلَمْ يَقُلْ عليه الصلاة والسلام ذَلِكَ بِنَصِّ الْخَبَرِ إِلاَّ بَعْدَ تَمَامِ الْتِعَانِهِمَا جَمِيعًا , فَلاَ يَقَعُ التَّفْرِيقُ إِلاَّ حِينَئِذٍ. وَقَدْ
رُوِّينَا أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ لَمْ يُوجِبْ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْمُتَلاَعِنَيْنِ
وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ.
وقال أبو حنيفة: لاَ يَقَعُ التَّفْرِيقُ بِتَمَامِ اللِّعَانِ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا الْحَاكِمُ , وَإِذَا فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا فَهِيَ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ فَكَانَ هَذَا عَجَبًا وَنَقُولُ لَهُمْ: فَإِنْ أَبَى الْحَاكِمُ مِنْ التَّفْرِيقِ أَيَبْقَيَانِ عَلَى زَوْجِيَّتِهِمَا هَيْهَاتَ حَاكِمُ الْحُكَمَاءِ قَدْ فَرَّقَ , فَتَفْرِيقُ مَنْ بَعْدَهُ أَوْ تَرْكُهُ التَّفْرِيقَ نَبِيبُ تَيْسٍ مِنْ الْحَزْنِ سَوَاءٌ.
وقال الشافعي بِتَمَامِ الْتِعَانِ الرَّجُلِ يَقَعُ التَّفْرِيقُ وَيَنْتَفِي الْوَلَدُ وَهَذِهِ أَيْضًا دَعْوَى بِلاَ
برهان.
وقال مالك كَمَا
قلنا
وَهُوَ قَوْلُ الأَوْزَاعِيِّ , وَاللَّيْثِ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ مَجْنُونَةً حُدَّ لِلْقَذْفِ , وَلاَ لِعَانَ فِي ذَلِكَ ; لأََنَّ الصَّغِيرَةَ وَالْمَجْنُونَةَ لاَ يَكُونُ مِنْهُمَا زِنًى أَصْلًا , لأََنَّ الزِّنَا مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَهَاتَانِ لاَ تَقَعُ مِنْهُمَا مَعْصِيَةٌ , لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: رُفِعَ الْقَلَمُ ، عَنْ ثَلاَثٍ فَذَكَرَ الصَّغِيرَ حَتَّى يَبْلُغَ , وَالْمَجْنُونَ حَتَّى يُفِيقَ. وَإِذَا وَجَبَ الْحَدُّ حَيْثُ لاَ يُوقَنُ بِكَذِبِهِ فَإِسْقَاطُهُ ، عَنِ الْقَاذِفِ حِينَ يُوقَنُ بِكَذِبِهِ خَطَأٌ , وَالْحَدُّ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ رَمَى مِنَّا بِالزِّنَا.
وَأَمَّا الأَخْرَسُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ الْكَلاَمُ , فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُكَلَّفَ إيَّاهُ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ. فَصَحَّ أَنَّهُ يَلْزَمُ كُلَّ أَحَدٍ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مَا اسْتَطَاعَ , وَالأَخْرَسُ يَسْتَطِيعُ الإِفْهَامَ بِالإِشَارَةِ , فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا.
وَكَذَلِكَ مَنْ لاَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ يَلْتَعِنُ بِلُغَتِهِ بِأَلْفَاظٍ يُعَبِّرُ بِهَا عَمَّا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ. وَالْعَجَبُ مِنْ زِيَادَاتِ أَبِي حَنِيفَةَ بِرَأْيِهِ , زِيَادَاتٌ فِي غَايَةِ السُّخْفِ عَلَى مَا فِي آيَةِ اللِّعَانِ , وَهُوَ يَرُدُّ أَوَامِرَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَعْمَالَهُ كَالْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ بِأَنَّهَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ , فَأَيُّ ضَلاَلٍ يَفُوقُ هَذَا
وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّهُ بِتَمَامِ الْتِعَانِهِ وَالْتِعَانِهَا يَنْتَفِي عَنْهُ لِحَاقُ حَمْلِهَا , إِلاَّ أَنْ يُقَرِّبَهُ وَسَوَاءٌ ذَكَرَهُ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ إذَا انْتَفَى عَنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ: