فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

الصفحة 6413 من 35630

الْحَقُّ مِنْ رَبِّك قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْأَحْزَابُ الْمِلَلُ ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ: طُفْت مَعَ عُمَرَ ، فَلَمَّا بَلَغْنَا الرُّكْنَ الْغَرْبِيَّ الَّذِي يَلِي الْأَسْوَدَ جَرَرْت بِيَدِهِ لِيَسْتَلِمَ ، فَقَالَ: مَا شَأْنُك ؟ فَقُلْت: أَلَّا تَسْتَلِمُ ؟ فَقَالَ: أَلَمْ تَطُفْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقُلْت: بَلَى ، قَالَ: أَفَرَأَيْته يَسْتَلِمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ الْغَرْبِيَّيْنِ ؟ قَالَ: لَا ، قَالَ: أَلَيْسَ لَك فِيهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ؟ قُلْت: بَلَى ، قَالَ: فَانْفُذْ عَنْك ، قَالَ: وَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِمَ تَسْتَلِمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَلِمُهُمَا ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: صَدَقْت .

ثُمَّ ذَكَر أَحْمَدُ الِاحْتِجَاجَ عَلَى إبْطَالِ قَوْلِ مَنْ عَارَضَ السُّنَنَ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَرَدَّهَا بِذَلِكَ ، وَهَذَا فِعْلُ الَّذِينَ يَسْتَمْسِكُونِ بِالْمُتَشَابِهِ فِي رَدِّ الْمُحْكَمِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا لَفْظًا مُتَشَابِهًا غَيْرَ الْمُحْكَمِ يَرُدُّونَهُ بِهِ اسْتَخْرَجُوا مِنْ الْمُحْكَمِ وَصْفًا مُتَشَابِهًا وَرَدُّوهُ بِهِ ، فَلَهُمْ طَرِيقَانِ فِي رَدِّ السُّنَنِ ؛ أَحَدُهُمَا: رَدُّهَا بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ مِنْ السُّنَنِ ، الثَّانِي: جَعْلُهُمْ الْمُحْكَمَ مُتَشَابِهًا لِيُعَطِّلُوا دَلَالَتَهُ ، وَأَمَّا طَرِيقَةُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ كَالشَّافِعِيِّ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَالْبُخَارِيِّ وَإِسْحَاقَ فَعَكْسُ هَذِهِ الطَّرِيقِ ، وَهِيَ أَنَّهُمْ يَرُدُّونَ الْمُتَشَابِهَ إلَى الْمُحْكَمِ ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ الْمُحْكَمِ مَا يُفَسِّرُ لَهُمْ الْمُتَشَابِهَ وَيُبَيِّنُهُ لَهُمْ ، فَتَتَّفِقُ دَلَالَتَهُ مَعَ دَلَالَةِ الْمُحْكَمِ ، وَتُوَافِقُ النُّصُوصُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَيُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، فَإِنَّهَا كُلَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَمَا كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا تَنَاقُضَ ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ وَالتَّنَاقُضُ فِيمَا كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِهِ .

-ـــــــــــــــــــ

فَصْلٌ [ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ هُوَ أَكْمَلُ مَا تَأْتِي بِهِ شَرِيعَةٌ ] وَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ هُوَ أَكْمَلُ مَا تَأْتِي بِهِ شَرِيعَةٌ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرَ أَنْ يُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَيَلْتَزِمُوا طَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَلَمْ يُؤْمَرْ أَنْ يُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَلَا أَنْ يَشُقَّ بُطُونَهُمْ ، بَلْ يُجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا إذَا دَخَلُوا فِي دِينِهِ ، وَيُجْرِي أَحْكَامَهُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَنِيَّاتِهِمْ ، فَأَحْكَامُ الدُّنْيَا عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَأَحْكَامُ الْآخِرَةِ عَلَى الْإِيمَانِ ، وَلِهَذَا قَبِلَ إسْلَامَ الْأَعْرَابِ ، وَنَفَى عَنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُهُمْ مَعَ ذَلِكَ مِنْ ثَوَابِ طَاعَتِهِمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ شَيْئًا ، وَقَبِلَ إسْلَامَ الْمُنَافِقِينَ ظَاهِرًا ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَيْئًا ، وَأَنَّهُمْ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ .

فَأَحْكَامُ الرَّبِّ تَعَالَى جَارِيَةٌ عَلَى مَا يَظْهَرُ لِلْعِبَادِ ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا أَظْهَرُوهُ خِلَافُ مَا أَبْطَنُوهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ ، وَأَمَّا قِصَّةُ الْمُلَاعِنِ فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا قَالَ بَعْدَ أَنْ وَلَدَتْ الْغُلَامَ عَلَى شَبَهِ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ } فَهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إنَّمَا أَرَادَ بِهِ لَوْلَا حُكْمُ اللَّهِ بَيْنَهُمَا بِاللِّعَانِ لَكَانَ أَشْبَهُ الْوَلَدِ بِمَنْ رُمِيَتْ بِهِ يَقْتَضِي حُكْمًا آخَرَ غَيْرَهُ ، وَلَكِنَّ حُكْمَ اللَّهِ بِاللَّعَّانِ أَلْغَى حُكْمَ هَذَا الشَّبَهِ ، فَإِنَّهُمَا دَلِيلَانِ وَأَحَدُهُمَا أَقْوَى مِنْ الْآخَرِ ؛ فَكَانَ الْعَمَلُ بِهِ وَاجِبًا ، وَهَذَا كَمَا لَوْ تَعَارَضَ دَلِيلُ الْفِرَاشِ وَدَلِيلُ الشَّبَهِ ، فَإِنَّا نُعْمِلُ دَلِيلَ الْفِرَاشِ وَلَا نَلْتَفِتُ إلَى الشَّبَهِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ، فَأَيْنَ فِي هَذَا مَا يُبْطِلُ الْمَقَاصِدَ وَالنِّيَّاتِ وَالْقَرَائِنَ الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا ؟ وَهَلْ يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ الْحُكْمِ بِقَرِينَةٍ قَدْ عَارَضَهَا مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت