فهرس الكتاب
بُطْلَانُ الْحُكْمِ بِجَمِيعِ الْقَرَائِنِ ؟ وَسَيَأْتِي دَلَالَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ عَلَى الْعَمَلِ بِالْقَرَائِنِ وَاعْتِبَارِهَا فِي الْأَحْكَامِ وَأَمَّا إنْفَاذُهُ لِلْحُكْمِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَهُمَا كَاذِبٌ فَلَيْسَ فِي الْمُمْكِنِ شَرْعًا غَيْرُ هَذَا ، وَهَذَا شَأْنُ عَامَّةِ الْمُتَدَاعِينَ ، لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُحِقًّا وَالْآخَرُ مُبْطِلًا ، وَيَنْفُذُ حُكْمُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا تَارَةً بِإِثْبَاتِ حَقِّ الْمُحِقِّ وَإِبْطَالِ بَاطِلِ الْمُبْطِلِ ، وَتَارَةً بِغَيْرِ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُحِقِّ دَلِيلٌ .
وَأَمَّا حَدِيثُ رُكَانَةَ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ وَأَحْلَفَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ وَاحِدَةً فَمِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ ، وَأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْعُقُودِ بِنِيَّاتِ أَصْحَابِهَا وَمَقَاصِدِهِمْ وَإِنْ خَالَفَتْ ظَوَاهِرَ أَلْفَاظِهِمْ ؛ فَإِنَّ لَفْظَ أَلْبَتَّةَ يَقْتَضِي أَنَّهَا قَدْ بَانَتْ مِنْهُ وَانْقَطَعَ التَّوَاصُلُ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا بِالنِّكَاحِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ ، بَلْ بَانَتْ مِنْهُ أَلْبَتَّةَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ أَلْبَتَّةَ لُغَةً وَعُرْفًا ، وَمَعَ هَذَا فَرَدَّهَا عَلَيْهِ ، وَقَبِلَ قَوْلَهُ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ مَعَ مُخَالَفَةِ الظَّوَاهِرِ اعْتِمَادًا عَلَى قَصْدِهِ وَنِيَّتِهِ ، فَلَوْلَا اعْتِبَارُ الْقُصُودِ فِي الْعُقُودِ لَمَا نَفَعَهُ قَصْدُهُ الَّذِي يُخَالِفُ ظَاهِرَ لَفْظِهِ مُخَالَفَةً ظَاهِرَةً بَيِّنَةً ؛ فَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ ، وَقَدْ قُبِلَ مِنْهُ فِي الْحُكْمِ ، وَدِينُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ، فَلَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِمَا أَظْهَرَ مِنْ لَفْظِهِ لَمَّا أَخْبَرَهُ بِأَنَّ نِيَّتَهُ وَقَصْدَهُ كَانَ خِلَافَ ذَلِكَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ:"إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْطَلَ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا اسْتِعْمَالَ الدَّلَالَةِ الَّتِي لَا يُوجَدُ أَقْوَى مِنْهَا"يَعْنِي دَلَالَةَ الشَّبَهِ فَإِنَّمَا أَبْطَلَهَا بِدَلَالَةٍ أَقْوَى مِنْهَا وَهِيَ اللِّعَانُ ، كَمَا أَبْطَلَهَا مَعَ قِيَامِ دَلَالَةِ الْفِرَاشِ ، وَاعْتَبَرَهَا حَيْثُ لَمْ يُعَارِضْهَا مِثْلُهَا وَلَا أَقْوَى مِنْهَا فِي إلْحَاقِ الْوَلَدِ بِالْقَافَةِ وَهِيَ دَلَالَةُ الشَّبَهِ ، فَأَيْنَ فِي هَذَا إلْغَاءُ الدَّلَالَاتِ وَالْقَرَائِنِ مُطْلَقًا ؟
ـــــــــــــــــــ
[ مَتَى يَكُونُ تَحْلِيفُ الْمُدَّعِي ؟ ] فَقَدْ ثَبَتَ تَحْلِيفُ الْمُدَّعِي إذَا أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا ، وَالشَّاهِدُ أَقْوَى مِنْ النُّكُولِ ، فَتَحْلِيفُهُ مَعَ النُّكُولِ أَوْلَى ، وَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ تَحْلِيفَ الْمُدَّعِي فِي أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ ؛ لِقُوَّةِ جَانِبِهِ بِاللَّوْثِ ، فَتَحْلِيفُهُ مَعَ النُّكُولِ أَوْلَى ، وَكَذَلِكَ شَرَعَ تَحْلِيفَ الزَّوْجِ فِي اللِّعَانِ ، وَكَذَلِكَ شَرَعَ تَحْلِيفَ الْمُدَّعِي إذَا كَانَ شَاهِدُ الْحَالِ يُصَدِّقُهُ كَمَا إذَا تَدَاعَيَا مَتَاعَ الْبَيْتِ أَوْ تَدَاعَى النَّجَّارُ وَالْخَيَّاطُ آلَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يُقْضَى لِمَنْ تَدُلُّ الْحَالُ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالِبِ الْحَقِّ } ، ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَهَذَا مَحْضُ الْفِقْهِ وَالْقِيَاسِ ؛ فَإِنَّهُ إذَا نَكَلَ قَوِيَ جَانِبُ الْمُدَّعِي فَظُنَّ صِدْقُهُ ، فَشُرِعَ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِ ؛ فَإِنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا شُرِعَتْ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِقُوَّةِ جَانِبِهِ بِالْأَصْلِ .
فَإِذَا شَهِدَ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ ضَعُفَ هَذَا الْأَصْلُ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ قُوَّتُهُ مِنْ الِاسْتِقْلَالِ ، وَقَوِيَ جَانِبُ الْمُدَّعِي بِالْيَمِينِ ، وَهَكَذَا إذَا نَكَلَ ضَعُفَ أَصْلُ الْبَرَاءَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ النُّكُولُ مُسْتَقِلًّا بِإِثْبَاتِ الدَّعْوَى ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِجَهْلِهِ بِالْحَالِ ، أَوْ لِتَوَرُّعِهِ عَنْ الْيَمِينِ ، أَوْ لِلْخَوْفِ مِنْ عَاقِبَةِ الْيَمِينِ ، أَوْ لِمُوَافَقَةِ قَضَاءٍ وَقَدَرٍ ؛ فَيَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّهُ بِسَبَبِ الْيَمِينِ ، أَوْ لِتَرَفُّعِهِ عَنْ ابْتِذَالِهِ بِاسْتِحْلَافِ خَصْمِهِ لَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ كَانَ صَادِقًا ، وَإِذَا احْتَمَلَ نُكُولُهُ هَذِهِ الْوُجُوهَ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا ؛ بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مُقَوِّيًا لِجَنَبَةِ الْمُدَّعِي