فهرس الكتاب
فَتُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَيْهِ ، وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَقْصُودَةً ، وَإِنَّمَا جَرَّ إلَيْهَا الْكَلَامُ فِي أَثَرِ ابْنِ عُمَرَ وَزَيْدٍ فِي مَسْأَلَةِ الْبَرَاءَةِ .
وَقَدْ عُلِمَ حُكْمُ هَذَا الشَّرْطِ ، وَأَيْنَ يَنْتَفِعُ بِهِ الْبَارُّ ، وَأَيْنَ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ .
وَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يَنْفَعُهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَتَى رَدَّهُ فَهُوَ حُرٌّ أَمْ لَا يَنْفَعُهُ وَإِذَا خَافَ تَوْكِيلَهُ فِي الرَّدِّ اسْتَوْثَقَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ:"مَتَى رَدَدْته أَوْ وَكَّلْت فِي رَدِّهِ"فَإِنْ خَافَ مِنْ رَدِّ الْحَاكِمِ عَلَيْهِ حَيْثُ يَرُدُّهُ بِالشَّرْعِ فَلَا يَكُونُ الْمُشْتَرِي هُوَ الرَّادُّ وَلَا وَكِيلُهُ بَلْ الْحَاكِمُ الْمُنَفِّذُ لِلشَّرْعِ فَاسْتَوْثَقَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ:"إذَا ادَّعَيْت رَدَّهُ فَهُوَ حُرٌّ"فَهُنَا تَصْعُبُ الْحِيلَةُ عَلَى الرَّدِّ ، إلَّا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي ثَوْرٍ وَأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَهُوَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ أَنَّ تَعْلِيقَ الْعِتْقِ مَتَى قُصِدَ بِهِ الْحَضُّ أَوْ الْمَنْعُ فَهُوَ يَمِينٌ حُكْمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ بِالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ ، وَحُكْمُ مَا لَوْ قَالَ:"إنْ رَدَدْته فَعَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَهُ"بَلْ أَوْلَى بِعَدَمِ الْعِتْقِ ، فَإِنَّ هَذَا نَذْرُ قُرْبَةٍ ، وَلَكِنَّ إخْرَاجَهُ مَخْرَجَ الْيَمِينِ مَنَعَ لُزُومَ الْوَفَاءِ بِهِ ، مَعَ أَنَّ الِالْتِزَامَ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ الِالْتِزَامِ بِقَوْلِهِ:"فَهُوَ حُرٌّ"فَكُلُّ مَا فِي الْتِزَامِ قَوْلِهِ:"فَهُوَ حُرٌّ"فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْتِزَامِ:"فَعَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَهُ"وَلَا يَنْعَكِسُ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ:"فَعَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَهُ"يَتَضَمَّنُ وُجُوبَ الْإِعْتَاقِ وَفِعْلَ الْعِتْقِ وَوُقُوعَ الْحُرِّيَّةِ .
فَإِذَا مَنَعَ قَصْدُ الْحَضُّ أَوْ الْمَنْعِ وُقُوعَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ فَلَأَنْ يَمْنَعَ وُقُوعَ وَاحِدٍ مِنْهَا أَوْلَى وَأَحْرَى ، وَهَذَا لَا جَوَابَ عَنْهُ ، وَهُوَ مِمَّا يُبَيِّنُ فَضْلَ فِقْهِ الصَّحَابَةِ ، وَأَنَّ بَيْنَ فِقْهِهِمْ وَفِقْهِ مَنْ بَعْدَهُمْ كَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ، وَحَتَّى لَوْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْهُمْ لَكَانَ هَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ وَمُقْتَضَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَأُصُولِهِ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ وَجْهًا لَا تَخْفَى عَلَى مُتَبَحِّرٍ تَتَبُّعُهَا ، وَيَكْفِي قَوْلُ فَقِيهِ الْأُمَّةِ وَحَبْرِهَا وَتُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"الْعِتْقُ مَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ ، وَالطَّلَاقُ مَا كَانَ عَنْ وَطَرٍ"فَتَأَمَّلْ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ الشَّرِيفَتَيْنِ الصَّادِرَتَيْنِ عَنْ عِلْمٍ قَدْ رَسَخَ أَسْفَلُهُ وَبَسَقَ أَعْلَاهُ وَأَيْنَعَتْ ثَمَرَتُهُ وَذُلِّلَتْ لِلطَّالِبِ قُطُوفُهُ ثُمَّ اُحْكُمْ بِالْكَلِمَتَيْنِ عَلَى أَيْمَانِ الْحَالِفِينَ بِالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ ، هَلْ تَجِدُ الْحَالِفَ بِهَذَا مِمَّنْ يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبَ إلَيْهِ بِإِعْتَاقِ هَذَا الْعَبْدِ ؟ وَهَلْ تَجِدُ الْحَالِفَ بِالطَّلَاقِ مِمَّنْ لَهُ وَطَرٌ فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ ؟ فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ حَبْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَقَدْ شَفَتْ كَلِمَتَاهُ هَاتَانِ الصُّدُورَ ، وَطَبَّقَتَا الْمُفَصَّلَ ، وَأَصَابَتَا الْمَحَزَّ ، وَكَانَتْ بُرْهَانًا عَلَى اسْتِجَابَةِ دَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ التَّأْوِيلَ وَيُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ .
وَلَا يُوحِشَنَّكَ مَنْ قَدْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ هُوَ وَجَمِيعُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أُولِي الْعِلْمِ ، فَإِذَا ظَفِرْت بِرَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْ أُولِي الْعِلْمِ طَالِبٍ لِلدَّلِيلِ مُحَكِّمٍ لَهُ مُتَّبِعٍ لِلْحَقِّ حَيْثُ كَانَ وَأَيْنَ كَانَ وَمَعَ مَنْ كَانَ زَالَتْ الْوَحْشَةُ وَحَصَلَتْ الْأُلْفَةُ ، وَلَوْ خَالَفَك فَإِنَّهُ يُخَالِفُك وَيَعْذِرُك ، وَالْجَاهِلُ الظَّالِمُ يُخَالِفُك بِلَا حُجَّةٍ وَيُكَفِّرُك أَوْ يُبَدِّعُك بِلَا حُجَّةٍ ، وَذَنْبُك رَغْبَتُك عَنْ طَرِيقَتِهِ الْوَخِيمَةِ ، وَسِيرَتِهِ الذَّمِيمَةِ ، فَلَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ هَذَا الضَّرْبِ ، فَإِنَّ الْآلَافَ الْمُؤَلَّفَةَ مِنْهُمْ لَا يُعْدَلُونَ بِشَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَالْوَاحِدُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُعْدَلُ بِمِلْءِ الْأَرْضِ مِنْهُمْ .
ـــــــــــــــــــ
زاد المعاد - (ج 5 / ص 315)
[ إبْطَالُ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيّةِ مِنْ جَعْلِ الْإِيلَاءِ وَالظّهَارِ طَلَاقًا ]