فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

الصفحة 6433 من 35630

عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَحْتَمِلُ أُمُورًا ثَلَاثَةً . أَحَدُهَا: إنْشَاءُ الْفُرْقَةِ . وَالثّانِي: الْإِعْلَامُ بِهَا . وَالثّالِثُ إلْزَامُهُ بِمُوجَبِهَا مِنْ الْفُرْقَةِ الْحِسّيّةِ . وَأَمّا قَوْلُهُ كَذَبْت عَلَيْهَا إنْ أَمْسَكْتهَا فَهَذَا لَا يَدُلّ عَلَى أَنّ إمْسَاكَهَا بَعْدَ [ ص 351 ] كَانَ الْأَمْرُ صَائِرًا إلَى مَا بَادَرَ إلَيْهِ وَأَمّا طَلَاقُهُ ثَلَاثَةً فَمَا زَادَ الْفُرْقَةَ الْوَاقِعَةَ إلّا تَأْكِيدًا فَإِنّهَا حُرّمَتْ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَبّدًا فَالطّلَاقُ تَأْكِيدٌ لِهَذَا التّحْرِيمِ وَكَأَنّهُ قَالَ لَا تَحِلّ لِي بَعْدَ هَذَا . وَأَمّا إنْفَاذُ الطّلَاقِ عَلَيْهِ فَتَقْرِيرٌ لِمُوجَبِهِ مِنْ التّحْرِيمِ فَإِنّهَا إذَا لَمْ تَحِلّ لَهُ بِاللّعَانِ أَبَدًا كَانَ الطّلَاقُ الثّلَاثَ تَأْكِيدًا لِلتّحْرِيمِ الْوَاقِعِ بِاللّعَانِ فَهَذَا مَعْنَى إنْفَاذِهِ فَلَمّا لَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ وَأَقَرّهُ عَلَى التّكَلّمِ بِهِ وَعَلَى مُوجَبِهِ جُعِلَ هَذَا إنْفَاذًا مِنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَسَهْلٌ لَمْ يَحْكِ لَفْظَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ وَقَعَ طَلَاقُك وَإِنّمَا شَاهَدَ الْقِصّةَ وَعَدَمُ إنْكَارِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلطّلَاقِ فَظَنّ ذَلِكَ تَنْفِيذًا وَهُوَ صَحِيحٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاعْتِبَارِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .

فَصْلٌ [فُرْقَةُ اللّعَانِ فَسْخُ ]

الْحُكْمِ الثّانِي: أَنّ فُرْقَةَ اللّعَانِ فَسْخٌ وَلَيْسَتْ بِطَلَاقِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشّافِعِيّ وَأَحْمَدُ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا وَاحْتَجّوا بِأَنّهَا فُرْقَةٌ تُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبّدًا فَكَانَتْ فَسْخًا كَفُرْقَةِ الرّضَاعِ وَاحْتَجّوا بِأَنّ اللّعَانَ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الطّلَاقِ وَلَا نَوَى الزّوْجُ بِهِ الطّلَاقَ فَلَا يَقَعُ بِهِ الطّلَاقُ قَالُوا: وَلَوْ كَانَ اللّعَانُ صَرِيحًا فِي الطّلَاقِ أَوْ كِنَايَةً فِيهِ لَوَقَعَ بِمُجَرّدِ لِعَانِ الزّوْجِ وَلَمْ يَتَوَقّفْ عَلَى لِعَانِ الْمَرْأَةِ قَالُوا: وَلِأَنّهُ لَوْ كَانَ طَلَاقًا فَهُوَ طَلَاقٌ مِنْ مَدْخُولٍ بِهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ لَمْ يَنْوِ بِهِ الثّلَاثَ فَكَانَ يَكُونُ رَجْعِيّا . قَالُوا: وَلِأَنّ الطّلَاقَ بِيَدِ الزّوْجِ إنْ شَاءَ طَلّقَ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَهَذَا الْفَسْخُ حَاصِلٌ بِالشّرْعِ وَبِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ قَالُوا: وَإِذَا ثَبَتَ بِالسّنّةِ وَأَقْوَالِ الصّحَابَةِ وَدِلَالَةِ الْقُرْآنِ أَنّ فُرْقَةَ الْخُلْعِ لَيْسَتْ بِطَلَاقِ بَلْ هِيَ فَسْخٌ مَعَ كَوْنِهَا بِتَرَاضِيهِمَا فَكَيْفَ تَكُونُ فُرْقَةُ اللّعَانِ طَلَاقًا ؟ .

فَصْلٌ [تُوجِبُ هَذِهِ الْفُرْقَةُ تَحْرِيمًا مُؤَبّدًا وَالْحِكْمَةُ مِنْ ذَلِكَ ]

الْحُكْمِ الثّالِثِ أَنّ هَذِهِ الْفُرْقَةَ تُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبّدًا لَا يَجْتَمِعَانِ بَعْدَهَا أَبَدًا . قَالَ الْأَوْزَاعِيّ: حَدّثَنَا الزّبَيْدِيّ حَدّثَنَا الزّهْرِيّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَذَكَرَ قِصّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَقَالَ فَفَرّقَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا [ ص 352 ] وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَا لَ الْمُتَلَاعِنَانِ إذَا تَفَرّقَا لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا قَالَ وَرَوَيْنَا عَنْ عَلِيّ وَعَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ قَالَا: مَضَتْ السّنّةُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ لَا يَجْتَمِعَا أَبَدًا قَالَ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ يُفَرّقُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَحْمَد ُ وَالشّافِعِيّ وَمَالِك ٌ وَالثّوْرِيّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو يُوسُفَ . وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنّهُ إنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ حَلّتْ لَهُ وَعَادَ فِرَاشُهُ بِحَالِهِ وَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذّةٌ شَذّ بِهَا حَنْبَلٌ عَنْهُ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهَا غَيْرَهُ وَقَالَ صَاحِبُ"الْمُغْنِي": وَيَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الرّوَايَةُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُفَرّقْ بَيْنَهُمَا . فَأَمّا مَعَ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا فَلَا وَجْهَ لِبَقَاءِ النّكَاحِ بِحَالِهِ . قُلْت: الرّوَايَةُ مُطْلَقَةٌ وَلَا أَثَرَ لِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ فِي دَوَامِ التّحْرِيمِ فَإِنّ الْفُرْقَةَ الْوَاقِعَةَ بِنَفْسِ اللّعَانِ أَقْوَى مِنْ الْفُرْقَةِ الْحَاصِلَةِ بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ فَإِذَا كَانَ إكْذَابُ نَفْسِهِ مُؤَثّرًا فِي تِلْكَ الْفُرْقَةِ الْقَوِيّةِ رَافِعًا لِلتّحْرِيمِ النّاشِئِ مِنْهَا فَلَأَنْ يُؤَثّرَ فِي الْفُرْقَةِ الّتِي هِيَ دُونَهَا وَيَرْفَعَ تَحْرِيمَهَا أَوْلَى . وَإِنّمَا قُلْنَا: إنّ الْفُرْقَةَ بِنَفْسِ اللّعَانِ أَقْوَى مِنْ الْفُرْقَةِ بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ لِأَنّ فُرْقَةَ اللّعَانِ تَسْتَنِدُ إلَى حُكْمِ اللّهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت