فهرس الكتاب
وَاحْتَجّوا بِأَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الطّلَاقَ بَعْد اللّعَانِ بَلْ هُوَ أَنْشَأَ طَلَاقَهَا وَنَزّهَ نَفْسَهُ أَنْ يُمْسِكَ مَنْ قَدْ اعْتَرَفَ بِأَنّهَا زَنَتْ أَوْ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ كَذِبٌ بِإِمْسَاكِهَا فَجَعَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِعْلَهُ سُنّةً وَنَازَعَ هَؤُلَاءِ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ وَقَالُوا: اللّعَانُ يُوجِبُ الْفُرْقَةَ ثُمّ اخْتَلَفُوا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ .
[قَوْلُ مَنْ قَالَ تَحْصُلُ الْفُرْقَةُ بِمُجَرّدِ لِعَانِ الزّوْجِ وَحْدَهُ ]
أَحَدُهَا أَنّهَا تَقَعُ بِمُجَرّدِ لِعَانِ الزّوْجِ وَحْدَهُ وَإِنْ لَمْ تَلْتَعِنْ الْمَرْأَةُ وَهَذَا الْقَوْلُ مِمّا تَفَرّدَ بِهِ الشّافِعِيّ وَاحْتَجّ لَهُ بِأَنّهَا فُرْقَةٌ حَاصِلَةٌ بِالْقَوْلِ فَحَصَلَتْ بِقَوْلِ الزّوْجِ وَحْدَهُ كَالطّلَاقِ . [قَوْلُ مَنْ قَالَ إنّ الْفُرْقَةَ تَحْصُلُ بَعْدَ اللّعَانِ ]
الْمَذْهَبُ الثّانِي: أَنّهَا لَا تَحْصُلُ إلّا بِلِعَانِهِمَا جَمِيعًا فَإِذَا تَمّ لِعَانُهُمَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ وَلَا يُعْتَبَرُ تَفْرِيقُ الْحَاكِمِ وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَد َ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْهُ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَوْلُ مَالِك ٍ وَأَهْلِ الظّاهِرِ وَاحْتَجّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنّ الشّرْعَ إنّمَا وَرَدَ بِالتّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَلَا يَكُونَانِ مُتَلَاعِنَيْنِ بِلِعَانِ الزّوْجِ وَحْدَهُ وَإِنّمَا فَرّقَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ تَمَامِ اللّعَانِ مِنْهُمَا فَالْقَوْلُ بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ قَبْلَهُ مُخَالِفٌ لِمَدْلُولِ السّنّةِ وَفِعْلِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَاحْتَجّوا بِأَنّ لَفْظَ اللّعَانِ لَا يَقْتَضِي فُرْقَةً فَإِنّهُ إمّا أَيْمَانٌ عَلَى زِنَاهَا وَإِمّا شَهَادَةٌ بِهِ وَكِلَاهُمَا لَا يَقْتَضِي فُرْقَةً وَإِنّمَا وَرَدَ الشّرْعُ بِالتّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ تَمَامِ لِعَانِهِمَا لِمَصْلَحَةِ ظَاهِرَةٍ وَهِيَ أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ بَيْنَ الزّوْجَيْنِ مَوَدّةً وَرَحْمَةً وَجَعَلَ كُلّا مِنْهُمَا سَكَنًا لِلْآخَرِ وَقَدْ زَالَ هَذَا بِالْقَذْفِ وَأَقَامَهَا مَقَامَ الْخِزْيِ وَالْعَارِ وَالْفَضِيحَةِ فَإِنّهُ إنْ كَانَ كَاذِبًا فَقَدْ فَضَحَهَا وَبَهَتَهَا وَرَمَاهَا بِالدّاءِ الْعُضَالِ وَنَكّسَ رَأْسَهَا وَرُءُوسَ قَوْمِهَا وَهَتَكَهَا عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ . وَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَقَدْ أَفْسَدَتْ فِرَاشَهُ وَعَرّضَتْهُ لِلْفَضِيحَةِ وَالْخِزْيِ وَالْعَارِ بِكَوْنِهِ زَوْجَ بَغِيّ [ ص 350 ] فَكَانَ مِنْ مَحَاسِنِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ التّفْرِيقُ بَيْنهمَا وَالتّحْرِيمُ الْمُؤَبّدُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ وَلَا يَتَرَتّبُ هَذَا عَلَى بَعْضِ اللّعَانِ كَمَا لَا يَتَرَتّبُ عَلَى بَعْضٍ لِعَانُ الزّوْجِ قَالُوا: وَلِأَنّهُ فَسْخٌ ثَبَتَ بِأَيْمَانِ مُتَحَالِفَيْنِ فَلَمْ يَثْبُتْ بِأَيْمَانِ أَحَدِهِمَا كَالْفَسْخِ لِتَخَالُفِ الْمُتَبَايِعَيْنِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ .
[قَوْلُ مَنْ قَالَ إنّ الْفُرْقَةَ لَا تَحْصُلُ إلّا بِتَمَامِ لِعَانِهِمَا وَتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ ]
الْمَذْهَبُ الثّالِثُ: أَنّ الْفُرْقَةَ لَا تَحْصُلُ إلّا بِتَمَامِ لِعَانِهِمَا وَتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيّ فَإِنّهُ قَالَ وَمَتَى تَلَاعَنَا وَفَرّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَجْتَمِعَا أَبَدًا . وَاحْتَجّ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ فِي حَدِيثِهِ فَفَرّقَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَهُمَا . وَهَذَا يَقْتَضِي أَنّ الْفُرْقَةَ لَمْ تَحْصُلْ قَبْلَهُ وَاحْتَجّوا بِأَنْ عُوَيْمِرًا قَالَ كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللّهِ إنْ أَمْسَكْتهَا فَطَلّقْهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهَذَا حُجّةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنّهُ يَقْتَضِي إمْكَانَ إمْسَاكِهَا . وَالثّانِي: وُقُوعُ الطّلَاقِ وَلَوْ حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ بِاللّعَانِ وَحْدَهُ لَمَا ثَبَتَ وَاحِدٌ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَفِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنّهُ طَلّقَهَا ثَلَاثًا فَأَنْفَذَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . قَالَ الْمُوقِعُونَ لِلْفُرْقَةِ بِتَمَامِ اللّعَانِ بِدُونِ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ: اللّعَانُ مَعْنًى يَقْتَضِي التّحْرِيمَ الْمُؤَبّدَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فَلَمْ يَقِفْ عَلَى تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ كَالرّضَاعِ قَالُوا: وَلِأَنّ الْفُرْقَةَ لَوْ وَقَعَتْ عَلَى تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ لَسَاغَ تَرْكُ التّفْرِيقِ إذَا كَرِهَهُ الزّوْجَانِ كَالتّفْرِيقِ بِالْعَيْبِ وَالْإِعْسَارِ قَالُوا: وَقَوْلُهُ فَرّقَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ