تعرّض لهجمات متتالية، ربّما بلغ بعضها في القسوة والشراسة والخطورة ما يزيد على هذه الهجمة اليهوديّة الصليبيّة.
هجمة الردّة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم:
كانت أولى تلك الهجمات بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - هي هجمة الردّة، ارتدّت الجزيرة العربيّة عن بكرة أبيها ما عدا المدينة ومكّة وقبيلة أو قبيلتان، وكان هجمة شرسة في تلك الفترة الحرجة، رمى المرتدّون المسلمين عن قوسٍ واحدة، وأرادوا بالفعل أن يستأصلوهم وأن يقطعوا شأفتهم، والناظر لأوضاع المسلمين في تلك الفترة يجد أنّها بلغت الغاية في الحرج، والغاية في الخطورة، والغاية في نقص الإمكانيّات الماديّة والبشريّة.
فأبو بكر الصدّيق -رضي الله عنه- يُصرّ على إنفاذ جيش أسامة، والصحابة يرون الخطر المُحدِق عليهم من جميع الجوانب، وانظر إلى تلك المقولة التي قالها أبو بكر والتي تُبيّن لك مدى الخطورة والخطر المحدق بالمدينة وبالمسلمين؛ يقول:"والله لو لعبت الكلاب بخلاخل نساء المدينة، ما رددتُ جيشًا أَنْفَذَهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". [1]
فالخطر محدق لا يُماري فيه أحد، صارت المدينة كنقطة في بحر من الكفر، يخاف المسلمون على أنفسهم -صباح مساء- أن يجتاحهم المرتدون؛ ورغم ذلك يصرّ أبو بكر على إنفاذ جيش أسامة، القوة الأساسية للمسلمين في تلك الفترة؛ تطبيقًا وامتثالًا لأمره - صلى الله عليه وسلم -. وفي هذا أعظم دليل لهؤلاء الذين استمرأوا سياسة التنازلات وفقه"المصالح والمفاسد"
الفاسد؛ ففي هذه الأوضاع يصرّ أبو بكر على إنفاذ الجيش، فماذا نقول لهؤلاء الذين لم يتعرّضوا -لا في قليل ولا في كثير- لما يُسمّى ضرورة أو إكراهًا، ورغم ذلك يلجؤون إلى التَّنازلات من خلال المُسايسات والمكاتب والريالات وإلى سائر هذه الأمور؟! ويقولون:"ضرورة وإكراه و ..". فانظر إلى أبي بكر وانظر إلى أحوالهم وأفعالهم.
نقول خاض المسلمون غمار حرب الردّة، ووقفوا سدًا منيعًا أمام هذه الهجمة، وما هي إلّا فترة يسير في عمر الزمن وانجلت هذه الهجمة على خير ما يكون.
(1) ذكره السهيلي في (الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام) بلا إسناد، ت السلامي (7\ 582) .