* ومنه تدليس التسوية، وصورته: أن الراوي يسمع حديثًا من شيخه، ويكون شيخه قد سمع هذا الحديث من شخص ضعيف، عن شخص ثقة، فيقول الموصوف بتدليس التسوية: حدثنا فلان، ويحذف شيخ شيخه الضعيف وينتقل إلى شيخ شيخ شيخه الثقة، فكأنه سوى الإسناد.
وممن يفعل ذلك: بقية بن الوليد، كما ذكر ذلك أبو حاتم الرازي في «العلل» ، ووصف بقية في كتب الرجال بهذا النوع. ومنهم: الوليد بن مسلم، ولكنه فيما يبدو أنه يفعل هذا النوع من أنواع التدليس في شيخه الأوزاعي فقط، فالأوزاعي روى عن بعض الضعفاء، فيسقط الوليد هؤلاء الضعفاء وينتقل إلى شيوخهم، فيظن الظان أن الإسناد صحيح متصل رواته ثقات. وإنما حصرنا ذلك في الأوزاعي لأنه إنما ذكر أنه يفعله في روايته عن الأوزاعي فقط، ولم يذكر أنه يفعل في غيره، وعندما أُنكر عليه قال: أُنَبِّل الأوزاعي، لأنه يروي الضعفاء، فقالوا: إنك تجعل الظان يظن أن الأوزاعي أخطأ في الحديث، فلم يلتفت إلى ذلك.
حكمه:
ينبغي أن يتأكد، هل ثبت أن شيخ من يدلس تسويةً سمع ممن روى عنه أم لا؟ قد يكون لم يسمع منه بسبب حذف الضعيف بينهما، ومما يبين هذا الشيء: جمع طرق الحديث، فمثلًا: لما روى هشيم بن بشير عن يحيى ابن سعيد الأنصاري عن الزهري عن عبد الله بن محمد بن علي عن أبيه (ابن الحنفية) عن أبيه علي بن أبي طالب في تحريم لحوم الحمر الأهلية، فدلس هشيم هنا تدليس التسوية، وعرفنا ذلك بأنه لما جمعنا طرق الحديث وجدنا أن حماد بن زيد وغيره روى هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن مالك بن أنس عن الزهري عن عبد الله بن محمد بن علي عن أبيه عن أبيه علي - رضي الله عنه -. وهشيم رواه عن يحيى ابن سعيد عن الزهري، ويحيى بن سعيد سمع من الزهري، وهو قرين له، فيظن الظان أن متصل من رواية هشيم، لكن بجمع الطرق وجدنا أن بين يحيى بن سعيد وبين الزهري مالك بن أنس. ولا يلزم أن بقية والوليد بن مسلم يفعلونه دائمًا، بل هو من القليل، وأنا ما وقفت على مثال دلس فيه بقية تدليس التسوية سوى واحد، فما ينبغي أن يرد الخبر رأسًا، ويقال إن فلان سوى الخبر، بل لا بد من أن يكون هناك قرائن، خاصة إذا وجدنا بجمع الطرق فوجدنا واسطة، أو أنه قد خولف، فيحتمل أنه دلس تدليس التسوية. وهكذا.
وهناك ممن يفعل هذا النوع أحيانًا، وليس قصده تدليس التسوية، فثور بن زيد روى عن عكرمة عن ابن عباس، فلما روى الإمام مالك هذا الخبر عن ثور أسقط عكرمة، وفعل هذا في غير هذا الحديث، وفي النكت لابن حجر أكثر من مثال، والإمام مالك فعل ذلك تعمدًا، لأنه لا يرتضي عكرمة، أو من حذف من غير عكرمة لا يرتضيه، فليس قصده تسوية الخبر، بل إنه لا يرضى ذلك الراوي، وإن كان الأَوْلى ذكره.
وأما قول من قال إن تدليس التسوية بإسقاط الضعيف، فليس دائمًا، كما ذكر من فعل هشيم حين أسقط الإمام مالكًا، والإمام مالك من الحفاظ الأئمة.