* ومنه: تدليس المتابعة: أن يروي الراوي عن راويين أو أكثر سمع منهما، وتكون بين رواية شيخه الأول والثاني اختلاف إما في السند أو في المتن، ولا يبين هذا الاختلاف.
مثال: جرير بن حازم روى عن أبي إسحاق السبيعي عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور كلاهما عن علي في زكاة الذهب مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم (أن في عشرين مثقالًا مثقال) . هكذا رواه جرير بن حازم. وروى هذا الحديث سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن عاصم بن ضمرة عن علي موقوفًا عليه. وأما رواية الحارث فهي المرفوعة فقط، بينما في رواية جرير ما هناك تمييز، فيظن الظان أن رواية عاصم والحارث كلاهما مرفوعة، بينما المرفوعة من رواية الحارث فقط، وهو ضعيف، والموقوفة جاءت من رواية عاصم بن ضمرة، وهو على القول الراجح جيد الحديث، فالصواب في هذا الخبر وقفه لا رفعه، وإن كان مثله لا يقال من قبل الصحابي.
ومثال المتن: ما رواه الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وعروة بن الزبير وغيرهم حديث الإفك، وقال: دخل حديث بعضهم في بعض، وهذا الحديث صحيح، والفعل من الزهري مقبول، لأنه إمام يميز الروايات، لكن أن يكون ممن لا يميز، مثلما تكلم به في حماد بن سلمة على جلالته، إذا جمع رواية أكثر من راو من شيوخه ولم يبين رواية بعضهم عن البعض، وحماد إمام لكنه ليس متقن. ومثل ابن إسحاق، يجمع ولا يبين. ولو تتبعت لوجدت أمثلة كثيرة. ومتى يخشى من إعلال الخبر: إذا كان أحد الشيخين المجموعين أو الشيوخ المجموعين ضعيف، وخالفت روايةُ الثقة أو الثقات روايةَ الضعيف، فيصحح رواية الثقة. فينبغي الانتباه إلى ذلك، وهذا يمكن أن يكون أدق من تدليس التسوية، وهذا عندي يعمل أكثر من تدليس التسوية.
وينتبه له بجمع روايات وألفاظ وطرق الحديث. ويمكن أن ينص الحفاظ على التمييز بينها.
* ومنه: تدليس العطف: أن يقول الراوي: حدثنا فلان وفلان، ويكون سمع من أحدهما دون الآخر، وذكر الحاكم في كتابه (معرفة علوم الحديث) أن هشيم فعل هذا في مجلس من المجالس، حيث اتفق بعض طلابه أن لا يدلس عليهم، فانتبه، فكان يقول في كل حديث يذكره: حدثنا حصين ومغيرة، فلما فرغ قال لهم: هل دلست لكم اليوم؟ فقالوا: لا، فقال: لم أسمع من مغيرة حرفًا مما ذكرته، إنما قلت: حدثني حصين ومغيرة غير مسموع لي.
لكن هذه القصة لم تثبت، فالحاكم ذكرها دون إسناد متصل. فلم يثبت عن هشيم من تدليس العطف شيء، ولا يمثلون إلا بهذا المثال! ولكن هذه القصة لم تثبت، فالحاكم بينه وبين هشيم مفاوز!
* ومنه: تدليس القطع، أو السكوت، وهو قريب من سابقه، وكان يعمله عمر بن علي بن عطاء المقدمي، يقول: حدثنا، أو: أخبرنا، ويسكت، ينوي القطع، يعني: قطع الرواية، ثم يقول: هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. فيظن الظان أن عمر بن علي المقدمي سمع من هشام. هو قال: حدثنا، لكنه نوى القطع، أي: قطع هذه الرواية، وانتقل إلى شيء آخر، قال: هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ولذلك قال ابن سعد: