الصفحة 10 من 69

نورد أولًا ما قاله العضد وابن عبد السلام ثم ما قاله الغزالي · يقول العضد معرفًا للمصلحة:"والمصلحة اللذة ووسيلتها، والمفسدة الألم ووسيلته" (1) ، ويعرف العز بن عبد السلام المصلحة بقوله:"المصالح ضربان: أحدهما حقيقي وهو الأفراح واللذات · والثاني مجازي وهو أسبابها، وربما كانت أسباب المصالح مفاسد فيؤمر بها أو تباح لا لكونها مؤدية إلى المصالح، وذلك كقطع الأيدي المتآكلة حفظًا للأرواح وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد، وكذلك العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوبة لكونها مفاسد بل لكونها المقصودة من شرعها، كقطع يد السارق وقطع الطريق وقتل الجناة ورجم الزناة وجلدهم وتغريبهم وكذلك التعزيرات، كل هذه مفاسد أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح الحقيقية، وتسميتها بالمصالح من مجاز تسمية السبب باسم المسبب" (2) ، ومن خلال تعريفي العضد وابن عبد السلام يتبين لنا أن المصلحة في الاصطلاح الشرعي -يقصد بها كلا معنييها: الحقيقي ويتمثل في المصالح المقصودة لذاتها، والمجازي ويتمثل في الوسائل المفضية إلى هذه المصالح ويعبر عنها بالمصالح المجازية ·

أما الغزالي فيركز في تعريفه للمصلحة على المعنى الحقيقي فقط فيقول:"أما المصلحة فهي في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة· ورغم وضوح التعريفات الاصطلاحية للمصلحة فإن العلماء قد تنازعوا في وجود المصلحة الخالصة والمفسدة الخالصة فمنهم من يرى وجودها ومنهم من لا يرى ذلك، ولا أرى حاجة لسرد أدلة كل فريق ومناقشاته لأن ما جرى بينهم من خلاف وما دار بينهم من نقاش هو كلامي أكثر منه أصولي وفقهي ولأن من يتتبع تلك الأقوال وأدلتها ينتهي به التحقيق إلى أن النزاع لفظي (3) لأن من يقول بوجود المصلحة الخالصة والمفسدة الخالصة نظر إليها من حيث أمر الشارع بالفعل، لأن الأمر لا يجمع بين المصلحة والمفسدة في آن واحد، بل أمر الله مصلحة خالصة، ومن يقول بعدم وجود المصلحة الخالصة نظر إليها من حيث الواقع والاعتياد، لأن كل مصلحة لا بد أن تسبقها أو تعقبها (1) مشقة · وبعد تعريف المصلحة في الاصطلاح الشرعي لا بد من بيان المقياس الذي يتم على أساسه تحديد المصلحة الشرعية وهذا ما نتناوله على النحو الآتي:-"

أولًا: إن مقياس اعتبار المصلحة أو المفسدة ومعيار النفع أو الضر هو تقدير الشارع الحكيم جل وعلا، لما في ذلك التقدير من خلود وثبات وضمان أكيد لمصالح البشر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت