أفرادًا وجماعات، ولما فيه من تهيئة الإنسان في الحياة الدنيا للحياة الآخرة (2) · ولأنه لو ارتبط تقدير المصلحة والمفسدة والنفع والضر بالرؤية البشرية المجردة عن شرع الله فإن هذا التقدير يكون خاضعًا لأهواء الناس ورغباتهم وشهواتهم، وتكون المصلحة بذلك عرضة للتلاعب والعبث والإخلال بالمصلحة العامة وبذلك تفسد الحياة قال تعالى: ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض (3) ·
وأيضًا فإنه لا يمكن تقدير المصلحة بالأهواء لأن الأهواء تختلف في الأمر الواحد فما يراه شخص نفعًا قد لا يراه الآخر كذلك، وما ينفع شخصًا قد لا ينفع آخر وما يكون نفعًا في وقت قد لا يكون كذلك في وقت آخر وبهذا فإن أي تشريع ينبني على الرؤى البشرية المحضة يكون عرضة للتغيير والتبديل، وقاصرًا عن تحقيق المصلحة العامة ويؤدي إلى الفساد (4) ·
ثانيًا: إنه لا يمكن أن يكون تقدير المصلحة خاضعًا لتقدير العقل البشري المجرد -بعيدًا عن شرع الله- لأن العقل البشري قاصر لكونه محدود بالزمان والمكان، ولأنه يتأثر بالبيئة والبواعث والعواطف والأهواء ولا يحيط علمًا بالماضي والحاضر ويجهل المستقبل لذلك فهو عرضة للخطأ والزلل في تقديره فلا بد له من رعاية الشرع: ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله (1) ·
وإذا كان العقل يستطيع أن يشير إلى جهة المصالح والمفاسد والتحذير من المهالك والترغيب في جلب المنافع فإن ذلك كله لا يعني قدرته على أن يستقل بإدراك المصلحة، بل هو محتاج إلى الشرع لإدراك المصالح لأن المصالح تشمل مصالح الدنيا والآخرة، ولا يمكن إدراك ذلك كله إلا بواسطة الشرع: فأما مصالح الآخرة فمعلوم أنه لا يمكن معرفتها إلا بالنقل، وأما مصالح الدنيا فإن العقل قاصر في إدراكها على وجه التمام، بل قد يخطئ كثيرًا في تقديرها (فالعادة تحيل استقلال العقول في الدنيا بإدراك مصالحها ومفاسدها على التفصيل) (2) ، وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يجوز بناء حكم على مصلحة مجردة دون الرجوع إلى نصوص الشرع وقواعده، ومبادئه العامة ومقاصده الكلية (3) ·
ثالثًا: إن رجوع المصلحة إلى المقاصد الشرعية في الجملة شرط أساسي في اعتبارها مصلحة، ولكن لا بد مع هذا من فهم أن المصالح أنواع ثلاثة فهي إما معتبرة من قبل الشارع وإما ملغاة، وإما مرسلة (4) ، فأما النوع الأول وهي المصالح المعتبرة فهي التي شرع الشارع أحكامًا لتحقيقها ودلّ على اعتبارها -وقَصْد الشارع لها- نص أو