إجماع · فهذا النوع من المصالح لا خلاف بين العلماء في بناء التشريع عليه، وأما النوع الثاني فهي المصالح الملغاة وهي ما دل الشارع على إلغائها وعلم مخالفتها للأدلة الشرعية، فهذه لا خلاف بين العلماء في أنها مردودة وأنه لا يبنى عليها تشريع، ولا يجوز أن يقصد تحقيقها بحكم هذه الأحكام وهي في الحقيقة مصلحة متوهمة لا حقيقية، ومن أمثلتها: القول بمساواة الابن والبنت في الميراث على ظن أن هذه مصلحة، ولكن الشارع لم يعتبرها بل ألغاها بقوله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين (1) · وأما النوع الثالث فهي المصلحة المسكوت عنها التي لم يثبت بخصوصها دليل شرعي لا بالاعتبار ولا بالإلغاء، فإن كان لها نظير جزئي تقابل عليه فهي من باب القياس، وإن لم يكن لها نظير جزئي وإنما هي داخلة في عمومات الشرع وكلياته وتصرفاته، بمعنى أنها مناسبة عامة لمقاصد الشارع فهذه هي المصلحة المرسلة أو كما يسميها البعض الاستدلال المرسل· وهذا النوع من المصالح محل النظر والاجتهاد ولذلك اختلف العلماء فيها، ومثال المصلحة المرسلة: المصلحة التي شرع لأجلها اتخاذ السجون أو صك النقود أو إبقاء الأراضي المفتوحة بأيدي أصحابها، ووضع الخراج عليها، وهذا التقسيم للمصلحة إلى معتبرة وملغاة، ومرسلة، هو ما ذهب إليه معظم علماء الأصول (2) ·
المبحث الثاني
أقسام المصالح
إن كليات المصالح المعتبرة في الشريعة تنحصر في خمسة (1) وهي حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال ويطلق عليها الكليات الخمس؛ لكونها الأصول الكلية التي جاءت الشريعة لحفظها وكذلك الشرائع التي أنزلها الله قبل الإسلام فقد هدفت إلى حفظ هذه الكليات (2) ·
وقد راعت الشريعة هذه الكليات بوسائل ثلاث: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات (3) فما من حكم شرعي إلا وهو يهدف إلى تحققيق واحد من هذه الأنواع الثلاثة التي تتكون منها مصالح الناس؛ وعلى هذا فالمصالح ثلاثة أقسام: ضرورية وحاجية وتحسينية (4) وهي تدور حول رعاية الكليات الخمس، ولكن على ثلاث مراتب وذلك على النحو الذي سنفصله:
القسم الأول الضروريات: