الصفحة 15 من 69

وأن التحسينيات تعد مكملات للحاجيات وبذلك فإن الضروريات هي أصل المصالح وغايتها ·

2 -إن المصالح بأقسامها الثلاثة متفاوتة في الأهمية، فأعلاها وأقواها في المرتبة المصالح الضرورية وتليها المصالح الحاجية ثم التحسينية، ولهذا التفاوت أثره عند تعارض المصالح والترجيح بينها، وهذا ما سنفصل الكلام حوله عند الحديث عن موازين الترجيح بين المصالح المتعارضة وذلك في المباحث التالية ·

المبحث الثالث

تمهيد حول الموازنة بين المصالح

الأصل في المصالح أنها إذا اجتمعت فيتعين تحصيلها جميعًا، وهذا أمر لا إشكال فيه، ولكن المشكلة تحدث عند ما تتنازع المصالح بحيث لا يمكن تحصيل أحداها إلا بترك الأخرى، ففي هذه الحالة يتعين إجراء الموازنة والمفاضلة بينهما، فإن ظهر رجحان إحداهما على الأخرى وجب تقديم المصلحة الراجحة على المصلحة المرجوحة، وإن كانت المصلحتان متساويتين جاز تحصيل أحداهما بحسب الاجتهاد (1) يقول ابن القيم:"الشريعة مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان، وأن لا يفوت منها شيء فإن أمكن تحصيلها كلها حصلت، وإن لم يمكن تحصيل بعضها إلا بتفويت البعض، قدم أكملها وأهمها وأشدها طلبًا للشارع"· ويقول أيضًا:"إذا تأملت شرائع دين الله التي وضعها بين عباده وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة، أو الراجحة، وإن تزاحمت قدم أهمها وأجلها، وإن فات أدناها" (2) ·

والموازنة والترجيح بين المصالح المتعارضة قد يكون أمرًا ميسورًا لكل الناس باعتبار أن ذلك أمر"مركوز في طبائع الناس (3) فلو خير صبي بين لذيذ وألذ فسيختار الألذ، ولو خير بين درهم ودينار لاختار الدينار"وإذا كانت الموازنة في مثل هذه الأمور ميسورة وواضحة -وتحصل بنوع من التلقائية والبداهة في حياة الناس- فإن أمر الموازنة لا يقف عند هذا الحد ولا ينحصر في مثل هذه الصور البسيطة، بل قد يأتي على صور وأشكال يكتنفها الكثير من الملابسات والتداخلات، وهذا يستدعي أن تتم الموازنة وفق معايير شرعية منضبطة يراعى فيها جميع الملابسات وينظر بها إلى المسائل المتعارضة من كل الوجوه فتتم بذلك الموازنة بشكل دقيق وبصورة منضبطة، وليس اعتباطًا وتخبطًا أو ترجيحًا بالأهواء والشهوات ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت