الصفحة 16 من 69

وبتتبع كلام العلماء قديمًا وحديثًا أمكن لنا أن نجمع معايير الترجيح بين المصالح المتعارضة في سبعة معايير، تمثل في حقيقتها فحصًا كاملًا وتمحيصًا تامًا للمصالح من كل جوانبها ووجوهها كما ينتج عن تلك المعايير موازنة دقيقة وتحديدًا منضبطًا، وهذه الموازين تتمثل في النظر إلى كلتا المصلحتين من حيث رتبة الحكم الشرعي الذي اشتملت عليه كل واحدة منهما ليرجح أعلى المصلحتين حكمًا، وإن تساوتا في الحكم فينظر إلى رتبة المصلحة التي اشتملت عليها كل واحدة منهما بحيث يرجح أعلاها رتبة، وإن تساوت المصلحتان في الرتبة فينظر إلى نوع المصلحة من حيث الكلي الذي ارتبطت به المصلحة، بحيث يرجح أعلاها نوعًا، فإن تساوتا في النوع فينظر إلى كلتا المصلحتين من حيث العموم والخصوص، فإن تساوتا في ذلك فينظر إليها من حيث مقدار كل منهما بحيث يرجح أكبرها قدرًا، فإن تساوتا فينظر إلى كلتا المصلحتين من حيث الامتداد الزمني لكل منهما، وقبل كل ذلك يجب أن ينظر إلى كلتا المصلحتين من حيث مدى تحقق كل منهما في الواقع بحيث يرجح أكثرهما تحققًا، فهذه هي المعايير السبعة للموازنة بين المصالح المتعارضة ·

المبحث الرابع

المعيار الأول: ترجيح أعلى المصلحتين حكمًا

لقد أنزل الله شريعته لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل معًا (1) فما من حكم في الشريعة إلا وهو مبني على جلب مصلحة أو درء مفسدة وتتفاوت الأحكام الشرعية فيما بينها بقدر ما يتضمنه كل حكم من جلب مصلحة أو درء مفسدة؛ فكلما كان الحكم جالبًا لمصلحة كبرى أو دافعًا لمفسدة كبرى علت درجته، وبما أن رتبة الحكم الشرعي قائمة على قدر ما يتضمنه ذلك الحكم من جلب مصلحة أو درء مفسدة، فقد تدرجت الأحكام الشرعية من وجوب إلى ندب، بحسب ما تتضمنه تلك الأحكام من مصالح، ولهذا فإن الواجب أعلى رتبة من المندوب لما يتضمنه الواجب من مصلحة أكبر من المصلحة التي يتضمنها المندوب ·

كما أن بين المصلحة والحكم تكافؤًا فلكل حكم مصلحة تناسبه ولكل مصلحة حكم يناسبها (2) يقول القرافي:"والمصلحة إذا كانت في أدنى الرتب كان المرتب عليها الندب، وإن كانت في أعلى الرتب كان المرتب عليها الوجوب ثم إن المصلحة تترقى، ويرتقي الندب بارتقائها حتى يكون أعلى مراتب الندب يلي أدنى مراتب الوجوب،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت