وكذلك نقول في المفسدة بجملته وترتقي الكراهة بارتقاء المفسدة حتى يكون أعلى مراتب المكروه يلي أدنى مراتب التحريم" (3) ، وبهذا صار مسلمًا ومعلومًا عند كافة العلماء أن أعلى مراتب الأحكام فيما يتعلق بالأمر هو الوجوب ثم الندب ثم الإباحة، وأن أعلى مراتب النهي هو التحريم ثم الكراهة، وعلى هذا الأساس إذا تعارض واجب ومندوب فيقدم الواجب ويسقط المندوب، وإذا تعارض مندوب ومباح فيقدم المندوب يقول العز بن عبد السلام:"وإن دار الفعل بين الوجوب والندب بنينا على أنه واجب وأتينا به ·· وإن دار بين الندب والإباحة بنينا على أنه مندوب وأتينا به" (1) · وإذا تعارض محرم ومكروه فيدرأ المحرم ولو بارتكاب المكروه (2) ·"
وإذا كنا سنناقش ما يتعلق بالتفاوت بين المحرم والمكروه في فصل تعارض المفاسد، فإنما يهمنا التركيز عليه في فصل تعارض المصالح هو التعارض بين الوجوب والندب والإباحة، فمن المعلوم أن الفرض مقدم على النفل لأن الفرض يستحق تاركه العقاب بينما المندوب لا عقاب على تاركه (3) وأن فرض العين مقدم على فرض الكفاية، لأن فرض الكفاية قد يوجد من يقوم به فيسقط الإثم والحرج عن الآخرين، أما فرض العين فلا بديل له، ولا يقوم أحد مقام من تعين عليه · وإذا كان فرض العين مقدمًا على فرض الكفاية، فإن فروض العين تتفاوت فيما بينها أيضًا ففرض العين المتعلق بحقوق العباد آكد من فرض العين المتعلق بحقوق الله لأن فرض العين المتعلق بحق الله وحده يمكن التسامح فيه بخلاف فرض العين المتعلق بحقوق العباد · فقد قال العلماء: إن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة وحقوق العباد مبنية على المشاحة، فمثلًا إذا كان الحج واجبًا وأداء الدين واجبًا، فإن أداء الدين مقدم، فلا يجوز للمسلم أن يقدم على الحج حتى يؤدي دينه، إلا إذا استأذن من صاحب الدين، أو كان الدين مؤجلًا، وهو واثق من قدرته على الوفاء به (4) وكذلك تتفاوت الواجبات فيما بينها فالواجب المحدد الوقت، والذي جاء وقته بالفعل مقدم على الواجب الموسع في وقته (1) ·
وإذا كانت فروض الأعيان تتفاوت فإن فروض الكفاية تتفاوت أيضًا ففرض الكفاية الذي لم يقم به أحد يكون الاشتغال به أولى ممن قام به بعض ولو لم يسد كل الحاجة، وفرض الكفاية الذي قام به عدد غير كاف يكون الاشتغال به أولى من فرض آخر قام به عدد كاف وربما زائد عن الحاجة (2) ·
كما أن فرض الكفاية -في بعض الأحيان- قد يصير فرض عين على شخص من