الصفحة 19 من 69

المصالح التي تضمنتها الأحكام الشرعية قد تكون مصالح ضرورية وقد تكون مصالح حاجية وقد تكون مصالح تحسينية، وقد سبق بيان المقصود بكل قسم من هذه الأقسام، ولكن ما نود الحديث عنه في هذا المبحث هو أن هذه الأقسام الثلاثة متفاوتة في أهميتها؛ فأعلاها المصالح الضرورية ويليها المصالح الحاجية ثم يليها المصالح التحسينية · وذلك أن المصالح الضرورية لا بد منها لقيام مصالح الدين والدنيا، وإذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد، وتهارج، وفوات حياة، وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم والخسران المبين (1) · أما المصالح الحاجية فهي ما يفتقر إليها للتوسعة على المكلفين ورفع الضيق والحرج والمشقة التي قد تحدث لفقد الحاجيات إلا أنه لا يترتب على فقدها الفساد الذي يترتب على فقد الضروريات (2) · وأما المصالح التحسينية فهي تلك الأمور التي تقتضيها المروءة والآداب وسير الأمور على أقوم منهاج، وتشكل بمجموعها قسم مكارم الأخلاق، فالتحسينيات من كماليات الأمور التي لا يترتب على فقدها تلف أو هلاك كما لا ينشأ عن فواتها حرج ولا مشقة وإنما يترتب على فقدها أن تصبح حياة الناس غير مستحسنة عند ذوي العقول السليمة والفطر القويمة (3) · وهذا التفاوت بين المصالح ينبني عليه الترتيب بينها حسب أهميتها، فأعلاها رتبة المصالح الضرورية، ثم يليها المصالح الحاجية حيث تحتل الرتبة الثانية، ثم تأتي المصالح التحسينية في الرتبة الثالثة، وتبدو أهمية هذا الترتيب عند تعارض المصالح فيما بينها حيث يجب مراعاتها بحسب قوتها وتقديم الأهم ثم المهم، فيقدم الضروري ثم الحاجي ثم التحسيني وعلى هذا فإنه يهمل الحاجي إذا كان في مراعاته إخلال بضروري، كما أنه يهمل التحسيني إذا كان في مراعاته إخلال بضروري أو حاجي (1) ، فإذا تعارضت مصلحتان وكانت إحداهما ضرورية والأخرى حاجية فإنه يقدم ما كان ضروريًا على ما كان حاجيًا ويقدم ما كان حاجيًا على ما كان تحسينيًا ·

ومن الأمثلة على تقديم الضروري على الحاجي -عند التعارض- مسألة الزواج والمهر، فالزواج أمر ضروري لحفظ النسل الذي هو أحد الضروريات الخمس، والمهر من حاجيات الزواج باعتباره برهان الجدية والرغبة في الزواج ووسيلة لتوطيد المحبة والمودة بين الزوجين، وأداة لتمكين الزوجة من تحقيق بعض حاجاتها، كما أن المهر يساعد على كبح جماح الزوج من الإقدام على الطلاق أو المسارعة فيه لشعور الزوج بما يكلفه الطلاق من تكاليف مالية باهظة وكل هذه أمور حاجية تساعد على تحقيق الأمر الضروري وهو الزواج، ولذلك كان المهر شرطًا في النكاح الصحيح،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت