ولكن إذا تعارض شرط المهر مع تحقيق الزواج وصارت المبالغة فيه مانعة من تحقيق الزواج فيجب التقليل من المهر إلى أدنى قدر يمكن معه إقامة الزواج، بل إذا تعذر أن يكون المهر شيئًا ماديًا فيمكن أن يكون شيئًا معنويًا"كما جاء في الحديث جواز أن يكون الصداق خاتم حديد أو تعليم قرآن" (2) · كل ذلك حرصًا على تحقيق الأمر الضروري وعدم تعطيله وإن أدى إلى التخلي عن الأمر الحاجي حتى لا يبقى الأمر الحاجي إلا مجرد رمز معنوي يكتمل به شرط النكاح الصحيح ·
وأيضًا فإن من ما يرتبط بالزواج وليمة الزواج وهي أمر تحسيني حيث يتحقق فيها المزيد من إشهار الزواج وتعظيم شأنه، ولكن إذا كانت المبالغة فيها تؤدي إلى تعطيل الزواج وعرقلته فيجب التخفيف منها بالقدر الذي لا يمنع من الزواج، بل إن تعذرت الوليمة على الشخص وكانت مانعة من الزواج فيجب تركها لكي يتحقق الأمر الضروري وهو الزواج· وكذلك إذا تعارضت الوليمة مع المهر فالمهر أولى بالتقديم لأنه مصلحة حاجية والوليمة مصلحة تحسينية، ولهذا لا ينبغي الإجحاف بالمهر لأجل التوسع في الوليمة (1) ·
المبحث السادس
المعيار الثالث: ترجيح أعلى المصلحتين نوعًا
إن كليات المصالح المعتبرة شرعًا تنحصر في خمسة، وهي: حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال ويطلق عليها الكليات الخمس لكونها الأصول الكلية التي جاءت الشريعة لحفظها (1) · وكل واحدة من هذه الكليات تمثل نوعًا من أنواع المصلحة، وتتدرج هذه الأنواع في الأهمية على خمس مراتب حسب تسلسلها: الدين ثم النفس، ثم العقل ثم النسل ثم المال · وعلى هذا فإن ما يكون به حفظ الدين مقدم على ما يكون به حفظ النفس عند تعارضهما وما يكون به حفظ النفس مقدم على ما يكون به حفظ العقل، وما به يكون حفظ العقل مقدم على ما يكون به حفظ النسل، وما به حفظ النسل مقدم عند التعارض على ما يكون به حفظ المال (2) · وبناء على هذا الترتيب بين الكليات الخمس التي تمثل الأنواع الخمسة -للمصلحة- فإنه إذا حدث تعارض بينها فيقدم أعلاها رتبة، حيث تقدم مصلحة الدين على ما سواها وتقدم مصلحة النفس على مصلحة العقل والنسل (3) والمال وتقدم مصلحة العقل على مصلحة النسل والمال وتقدم مصلحة النسل على مصلحة المال، ولكن هذا التقديم والترتيب بين المصالح مشروط بأن يكون