حكم القضاء بذلك (2) ·
المبحث الثامن
المعيار الخامس: ترجيح أكبر المصلحتين قدرًا
إذا تعارضت مصلحتان وكانتا متساويتين في رتبة الحكم ورتبة المصلحة ونوعها وعمومها أو خصوصها، فإنه ينظر إلى المصلحتين من حيث مقدار كل واحدة منهما فإيهما أكبر مقدارًا فترجح على الأخرى، وذلك عملًا بالقاعدة التي تقرر أنه يرجح عند تعارض المصالح أكبرها ويقدم على ما دونه (1) ولأن أكبر المصلحتين أكثر نفعًا وأكبر مردودًا وأقوى أثرًا على ما كان أقل منها ·
ولعل من أوضح الأمثلة على ترجيح المصالح الكبرى على ما دونها ما جاء في صلح الحديبية (2) فقد وازن الرسول بين المصالح الكبرى والمصالح التي هي أدنى منها، وتنازل عن المصالح الصغرى من أجل المصالح الكبرى فمثلًا تنازل للمشركين عن كتابة بسم الله الرحمن الرحيم في كتاب الصلح، وتنازل لهم عن أن يكتب محمد رسول الله، وأن لا يدخل مكة في ذلك العام ويأتيها في العام القادم، وما هذه التنازلات وغيرها إلا من أجل تحقيق مصالح أعظم منها؛ فقد أعطى الرسول المشركين كل ما سألوه من الشروط وتساهل معهم في أمور ظنها الصحابة شيئًا كبيرًا حتى استبد بهم الضيق، ولكن الرسول كان أبعد نظرًا من الصحابة فقد كان صلح الحديبية فتحًا كبيرًا للإسلام والمسلمين حيث سادت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها وأمن الناس بعضهم بعضًا، مما أتاح للناس أن يلتقوا ويناقشوا ولم يكلم أحد عن الإسلام وعقل شيئًا منه إلا دخل فيه ولذلك فقد دخل في الإسلام - بين صلح الحديبية وفتح مكة - مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر (1) كما أن هذا الصلح قد أوجد هدنة جعلت المسلمين يأمنون شر قريش، فتهيأت لهم بذلك الفرصة إلى أن يخلصوا الجزيرة من بقايا الخطر اليهودي الذي كان يتمثل في حصون خيبر القوية التي تهدد طريق الشام، ففتحها المسلمون وغنموا منها غنائم ضخمة وبذلك انتهى ما بقي من خطر لليهود بعد أن سبق قبل ذلك التخلص من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة · كما أن صلح الحديبية قد جعل قريشًا تعترف بالنبي والإسلام وقوتهما وكيانهما وأن النبي والمسلمين أنداد لها، بل دفعتهم عنها بالتي هي أحسن (2) كما قوي المسلمون في عيون القبائل وبادر المخلفون من الأعراب إلى الاعتذار وازداد صوت المنافقين في المدينة خفوتًا وشأنهم ضآلة، وصار العرب يفدون