الصفحة 24 من 69

على النبي صلى الله عليه وسلم من أنحاء قاصية (3) وتفرغ المسلمون لنشر الدعوة الإسلامية في الجزيرة العربية وخارجها، فأرسلوا الدعاة والسفراء إلى الأمراء والرؤساء والملوك يدعوهم بدعوة الإسلام وقويت شوكة المسلمين واستطاع النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه بعد سنتين أن يغزو مكة ويفتحوها، وكان في ذلك النهاية الحاسمة إذ جاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجًا (4) ، وبذلك فقد كان صلح الحديبية -كما سماه القرآن- فتحًا مبينًا قال تعالى: إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا (5) ، ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطًا مستقيمًا (6) ، وينصرك الله نصرًا عزيزًا (7) ·

المبحث التاسع

المعيار السادس: ترجيح أدوم المصلحتين نفعًا

إذا تعارضت مصلحتان وكانتا متساويتين في رتبة المصلحة ونوعها وعمومها أو خصوصها ومقدارها فإنه ينظر إلى أطول المصلحتين زمنًا من حيث النفع، فإذا كانت إحداهما يمتد نفعها لزمن طويل بينما الأخرى مصلحة آنية أو لزمن قصير فترجح المصلحة ذات الامتداد الزمني على الأخرى لكبر نفعها واستمرار أثرها ·

ومن أبرز الأمثلة لترجيح إحدى المصلحتين على الأخرى لكونها -من حيث الامتداد الزمني- أطول نفعًا مسألة الأراضي المفتوحة عنوة، فإن هذه الأراضي تتنازعها مصلحتان: مصلحة مؤقتة تتمثل في توزيعها على الفاتحين ومصلحة طويلة الأمد، ممتدة في الأجيال والأزمان وهي ترك هذه الأراضي في أيدي أصحابها وفرض الخراج عليها لبيت مال المسلمين بصورة دائمة ومستمرة، ولا شك أن هذه المصلحة أكثر نفعًا من المصلحة المؤقتة في فترة محدودة ولجيل معين، ولهذا فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما فتح المسلمون بلاد العراق والشام وطلب الفاتحون توزيع أراضيها عليهم امتنع عمر وقال:"كيف أقسم بينهم، فيأتي من بعدهم فيجدون الأرض بعلوجها قد اقتسمت وورثت عن الآباء وحيزت؟ ما هذا برأي ولقد وافقه على رأيه هذا كبار الصحابة" (1) فقد كانت تلك الأراضي هي أخصب ما في الدولة الإسلامية آنذاك، فلو قسمت ولم يعد خراجها لبيت المال تكون الدولة فقيرة مما يضعف حركتها وحركة الفتح الإسلامي ويجعل الدولة عاجزة عن سداد الثغور وإعانة الذرية والأرامل والضعفاء وسيحدث عجز مالي في موارد الدولة يجعلها غير قادرة على القيام بمهامها وقد يعرضها لنكسات خطيرة، كما أن تقسيم الأراضي سيؤدي إلى حرمان بقية أبناء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت